ولكن المعرفة قد تضعف ، والشهوة قد تغلب فيعجز عن القيام بحق المحبة ، ويدل عليه ما روي [ 1 ] أن نعيمان كان يؤتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل قليل فيحده في معصية يرتكبها ، إلى أن أتى به يوما فحده . فلعنه رجل وقال ما أكثر ما يؤتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم « لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله » فلم يخرجه بالمعصية عن المحبة . نعم تخرجه المعصية عن كمال الحب ، وقد قال بعض العارفين . إذا كان الإيمان في ظاهر القلب أحب الله تعالى حبا متوسطا ، فإذا دخل سويداء القلب أحبه الحب البالغ ، وترك المعاصي وبالجملة في دعوى المحبة خطر ، ولذلك قال الفضيل . إذا قيل لك أتحب الله تعالى فاسكت ، فإنك إن قلت لا كفرت ، وإن قلت نعم فليس وصفك وصف المحبين ، فاحذر المقت . ولقد قال بعض العلماء . ليس في الجنة نعيم أعلى من نعيم أهل المعرفة والمحبة ، ولا في جهنم عذاب أشد من عذاب من ادعى المعرفة والمحبة ولم يتحقق بشيء من ذلك ومنها أن يكون مستهترا بذكر الله تعالى ، لا يفتر عنه لسانه ، ولا يخلو عنه قلبه ، فمن أحب شيئا أكثر بالضرورة من ذكره ، وذكر ما يتعلقه به ، فعلامة حب الله حب ذكره وحب القرءان الذي هو كلامه ، وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحب كل من ينسب إليه . فإن من يحب إنسانا يحب كلب محلته ، فالمحبة إذا قويت تعدت من المحبوب إلى كل ما يكتنف بالمحبوب ويحيط به ويتعلق بأسبابه ، وذلك ليس شركة في الحب ، فإن من أحب رسول المحبوب لأنه رسوله ، وكلامه لأنه كلامه ، فلم يجاوز حبه إلى غيره ، بل هو دليل على كمال حبه . ومن غلب حب الله على قلبه أحب جميع خلق الله ، لأنهم خلقه ، فكيف لا يحب القرءان ، والرسول ، وعباد الله الصالحين ! وقد ذكرنا تحقيق هذا في كتاب الأخوة والصحبة ، ولذلك قال تعالى * ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله « 1 » ) * وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لله تعالى » وقال سفيان : من أحب من يحب الله تعالى فإنما أحب الله . ومن أكرم من يكرم الله تعالى
شرح
[ 1 ] حديث أتى بنعيمان يوما فحده فلعنه رجل قال ما أكثر ما يؤتى به فقال لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله : البخاري وقد تقدم
[ 2 ] حديث أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه - الحديث : تقدم
هامش
« 1 » آل عمران 31