تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
فإن قلت : فمن لا يحب الموت فهل يتصور أن يكون محبا لله ؟ فأقول : كراهة الموت قد تكون لحب الدنيا ، والتأسف على فراق الأهل ، والمال ، والولد وهذا ينافي كمال حب الله تعالى ، لأن الحب الكامل هو الذي يستغرق كل القلب . ولكن لا يبعد أن يكون له مع حب الأهل والولد شائبة من حب الله تعالى ضعيفة ، فإن الناس متفاوتون في الحب ، ويدل على التفاوت ما روي أن [ 1 ] أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، لما زوج أخته فاطمة من سالم مولاه ، عاتبته قريش في ذلك وقالوا . أنكحت عقيلة من عقائل قريش لمولى ! فقال والله لقد أنكحته إياها وإني لأعلم أنه خير منها فكان قوله ذلك أشد عليهم من فعله ، فقالوا وكيف وهي أختك وهو مولاك ؟ فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « من أراد أن ينظر إني رجل يحب الله بكل قلبه فلينظر إلى سالم » فهذا يدل على أن من الناس من لا يحب الله بكل قلبه ، فيحبه ويحب أيضا غيره فلا جرم يكون نعيمه بلقاء الله عند القدوم عليه على قدر حبه ، وعذابه بفراق الدنيا عند الموت على قدر حبه لها وأما السبب الثاني للكراهة فهو أن يكون العبد في ابتداء مقام المحبة ، وليس يكره الموت ، وإنما يكره عجلته قبل أن يستعد للقاء الله ، فذلك لا يدل على ضعف الحب ، وهو كالمحب الذي وصله الخبر بقدوم حبيبه عليه ، فأحب أن يتأخر قدومه ساعة ليهيئ له داره ، ويعد له أسبابه ، فيلقاه كما يهواه فارغ القلب عن الشواغل ، خفيف الظهر عن العوائق . فالكراهة بهذا السبب لا تنافي كمال الحب أصلا . وعلامته الدؤب في العمل ، واستغراق الهم في الاستعداد ومنها أن يكون مؤثرا ما أحبه الله تعالى على ما يحبه في ظاهره وباطنه ، وفيلزم مشاق العمل ويجتنب اتباع الهوى ، ويعرض عن دعة الكسل . ولا يزال مواظبا على طاعة الله ، ومتقربا إليه بالنوافل ، وطالبا عنده مزايا الدرجات كما يطلب المحب مزيد القرب في قلب محبوبه . وقد وصف الله المحبين بالإيثار فقال
شرح
[ 1 ] حديث أبي حذيفة بن عتبة انه لما زوج أخته فاطمة من سالم مولاه عاتبته قريش في ذلك وفيه فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أراد أن ينظر إلى رجل يحب الله بكل قلبه فلينظر إلى سالم : لم أره من حديث حذيفة وروى أبو نعيم في الحلية المرفوع منه من حديث عمر أن سالما يحب الله حقا من قلبه وفي رواية له ان سالما شديد الحب الله عز وجل لو لم يخف الله عز وجل ما عصاه وفيه عبد الله بن لهيعة