تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
ما أجملك وأجمل ثيابك وأنظف وجهك ! فيكون بالحقيقة هو المجمّل ، وهو المثنى على الجمال فهو المثنى عليه بكل حال ، وكأنه لم يثن من حيث المعنى إلا على نفسه ، وإنما العبد هدف الثناء من حيث الظاهر والصورة . فهكذا كانت الأمور في الأزل ، وهكذا تتسلسل الأسباب والمسببات بتقدير رب الأرباب ومسبب الأسباب . ولم يكن ذلك عن اتفاق وبحث ، بل عن إرادة ، وحكمة ، وحكم حق ، وأمر جزم ، استعير له لفظ القضاء ، وقيل إنه كلمح بالبصر أو هو أقرب . ففاضت بحار المقادير بحكم ذلك القضاء الجزم ، بما سبق به التقدير ، فاستعير لترتب آحاد المقدورات بعضها على بعض لفظ القدر فكان لفظ القضاء بإزاء الأمر الواحد الكلى ، ولفظ القدر بإزاء التفصيل المتمادى إلى غير نهاية . وقيل إن شيئا من ذلك ليس خارجا عن القضاء والقدر . فخطر لبعض العباد أن القسمة لما ذا افتضت هذا التفصيل ؟ وكيف انتظم العدل مع هذا التفاوت والتفضيل . وكان بعضهم لقصوره لا يطيق ملاحظة كنه هذا الأمر ، والاحتواء على مجامعه ، فألجموا عما لم يطيقوا خوض غمرته بلجام المنع . وقيل لهم اسكتوا فما لهذا خلقتم . لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون وامتلأت مشكاة بعضهم نورا مقتبسا من نور الله تعالى في السماوات والأرض ، وكان زيتهم أولا صافيا يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار ، فمسته نار ، فاشتعل نورا على نور ، فأشرقت أقطار الملكوت بين أيديهم بنور ربها ، فأدركوا الأمور كلها كما هي عليه ، فقيل لهم : تأدبوا بآداب الله تعالى واسكتوا ، [ 1 ] وإذا ذكر القدر فأمسكوا ، فإن للحيطان آذانا ، وحواليكم ضعفاء الأبصار ، فسيروا بسير أضعفكم ، ولا تكشفوا حجاب الشمس لأبصار الخفافيش ، فيكون ذلك سبب هلاكهم ، فتخلقوا بأخلاق الله تعالى ، وانزلوا إلى سماء الدنيا من منتهى علوكم ، ليأنس بكم الضعفاء ، ويقتبسوا من بقايا أنواركم المشرقة من وراء حجابكم كما يقتبس الخفافيش من بقايا نور الشمس والكواكب في جنح الليل ، فيحيا به حياة يحتملها شخصه وحاله ، وإن كان لا يحيا به حياة المترددين في كمال نور الشمس ، وكونوا كمن قيل فيهم
شربنا شرابا طيبا عند طيب كذاك شراب الطيبين يطيب شربنا وأهرقنا على الأرض فضله وللأرض من كأس الكرام نصيب
شرح
[ 1 ] حديث إذا ذكر القدر فأمسكوا : الطبراني من حديث ابن مسعود وقد تقدم في العلم ولم يصرح المصنف بكونه حديثا