الإشكال الأول . وهو أنه إذا لم يكن للمشكور حظ فكيف يكون الشكر وبهذا أيضا ينحل الثاني . فإنا لم نعن بالشكر إلا انصراف نعمة الله في جهة محبة الله .
فإذا انصرفت النعمة في جهة المحبة بفعل الله ، فقد حصل المراد . وفعلك عطاء من الله تعالى ومن حيث أنت محله فقد أثنى عليك ، وثناؤه نعمة أخرى منه إليك . فهو الذي أعطى ، وهو الذي أثنى . وصار أحد فعليه سببا لانصراف فعله الثاني إلى جهة محبته . فله الشكر على كل حال ، وأنت موصوف بأنك شاكر ، بمعنى أنك محل المعنى الذي الشكر عبارة عنه ، لا بمعنى أنك موجد له كما أنك موصوف بأنك عارف وعالم ، لا بمعنى أنك خالق للعلم وموجده ولكن بمعنى أنك محل له ، وقد وجد بالقدرة الأزلية فيك . فوصفك بأنك شاكر إثبات شيئية إليك ، وأنت شيء إذ جعلك خالق الأشياء شيئا . وإنما أنت لا شيء إذا كنت أنت ظانا لنفسك شيئا من ذاتك . فأما باعتبار النظر إلى الذي جعل الأشياء أشياء ، فأنت شيء إذ جعلك شيئا . فإن قطع النظر عن جعله كنت لا شيء تحقيقا . وإلى هذا أشار صلَّى الله عليه وسلم حيث قال [ 1 ] « اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له » لما قيل له : يا رسول الله ففيم العمل إذا كانت الأشياء قد فرغ منها من قبل ؟
فتبين أن الخلق مجاري قدرة الله تعالى . ومحل أفعاله ، وإن كانوا هم أيضا من أفعاله .
ولكن يعض أفعاله محل للبعض . وقوله « اعملوا » وإن كان جاريا على لسان الرسول صلَّى الله عليه وسلم ، فهو فعل من أفعاله . وهو سبب لعلم الخلق أن العمل نافع ، وعلمهم فعل من أفعال الله تعالى . والعلم سبب لانبعاث داعية جازمة إلى الحركة والطاعة . وانبعاث الداعية أيضا من أفعال الله تعالى . وهو سبب لحركة الأعضاء ، وهي أيضا من أفعال الله تعالى ولكن بعض أفعاله سبب للبعض . أي الأول شرط للثاني ، كما كان خلق الجسم سببا لخلق العرض ، إذ لا يخلق العرض قبله . وخلق الحياة شرط لخلق العلم . وخلق العلم شرط لخلق الإرادة . والكل من أفعال الله تعالى ، وبعضها سبب للبعض . أي هو شرط ومعنى كونه شرطا أنه لا يستعد لقبول فعل الحياة إلا جوهر ، ولا يستعد لقبول العلم إلا ذو حياة ، ولا لقبول الإرادة إلا ذو علم . فيكون بعض أفعاله سببا للبعض بهذا المعنى ، لا بمعنى أن بعض أفعاله موجد لغيره ، بل ممهد شرط الحصول لغيره . وهذا إذا حقق ارتقى إلى درجة التوحيد الذي ذكرناه
شرح
[ 1 ] حديث اعملوا فكل ميسر لما خلق له : متفق عليه من حديث علي وعمران بن حصين