وإليه الإشارة بقوله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّه ليغان على قلبي حتّى أستغفر الله في اليوم واللَّيلة سبعين مرّة » فكأن ذلك لترقيه إلى سبعين مقاما ، بعضها فوق البعض ، أوّلها وإن كان مجاوزا أقصى غايات الخلق ، ولكن كان نقصانا بالإضافة إلى آخرها . فكان استغفاره لذلك [ 2 ] ولما قالت عائشة رضي الله عنها . أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فما هذا البكاء في السجود ، وما هذا الجهد الشديد ؟ قال « أفلا أكون عبدا شكورا » معناه أفلا أكون طالبا للمزيد في المقامات ، فإن الشكر سبب الزيادة حيث قال تعالى * ( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ) * « 1 » . وإذا تغلغلنا في بحار المكاشفة فلنقبض العنان ، ولنرجع إلى ما يليق بعلوم المعاملة فنقول : الأنبياء عليهم السّلام بعثوا لدعوة الخلق إلى كمال التوحيد الذي وصفناه . ولكن بينهم وبين الوصول إليه مسافة بعيدة ، وعقبات شديدة وإنما الشرع كله تعريف طريق سلوك تلك المسافة ، وقطع تلك العقبات . وعند ذلك يكون النظر عن مشاهدة أخرى ومقام آخر ، فيظهر في ذلك المقام بالإضافة إلى تلك المشاهدة الشكر ، والشاكر ، والمشكور . ولا يعرف ذلك إلا بمثال فأقول . يمكنك أن تفهم أن ملكا من الملوك أرسل إلى عبد قد بعد منه مركوبا ، وملبوسا ، ونقدا ، لأجل زاده في الطريق حتى يقطع به مسافة البعد ، ويقرب من حضرة الملك . ثم يكون له حالتان . إحداهما : أن يكون قصده من وصول العبد إلى حضرته أن يقوم ببعض مهماته ، ويكون له عناية في خدمته ، والثانية : أن لا يكون للملك حظ في العبد ، ولا حاجة به إليه ، بل حضوره لا يزيد في ملكه ، لأنه لا يقوى على القيام بخدمة تغني فيه غناء . وغيبته لا تنقص من ملكه . فيكون قصد من الإنعام عليه بالمركوب والزاد ، أن يحظى العبد بالقرب منه ، وينال سعادة حضرته لينتفع هو في نفسه ، لا لينتفع الملك به وبانتفاعه . فمنزل العباد من الله تعالى في المنزلة الثانية لا في المنزلة الأولى . فإن الأولى محال على الله تعالى ، والثانية غير محال
شرح
[ 1 ] حديث انه ليغان على قلبي - الحديث : تقدم في التوبة وقبله في الدعوات
[ 2 ] حديث عائشة لما قالت له غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فما هذا البكاء - الحديث : رواه أبو الشيخ وهو بقية حديث عطاء عنها المتقدم قبل هذا بتسعة أحاديث وهو عند مسلم من رواية عورة عنها مختصرا وكذلك هو في الصحيحين مختصرا من حديث المغيرة بن شعبة
هامش
« 1 » إبراهيم : 7