تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
فإن قلت فلم قال الله تعالى اعملوا وإلا فأنتم معاقبون مذمومون على العصيان ، وما إلينا شيء فكيف نذم ؟ وإنما الكل إلى الله تعالى . فاعلم أن هذا القول من الله تعالى سبب لحصول اعتقاد فينا . والاعتقاد سبب لهيجان الخوف . وهيجان الخوف سبب لترك الشهوات والتجافي عن دار الغرور . وذلك سبب للوصول إلى جوار الله ، والله تعالى مسبب الأسباب ومرتبها . فمن سبق له في الأزل السعادة يسر له هذه الأسباب ، حتى يقوده بسلسلتها إلى الجنة . ويعبر عن مثله بأن كلا ميسر لما خلق له . ومن لم يسبق له من الله الحسني بعد عن سماع كلام الله تعالى ، وكلام رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ، وكلام العلماء ، فإذا لم يسمع لم يعلم . وإذا لم يعلم لم يخف . وإذا لم يخف لم يترك الركون إلى الدنيا . وإذا لم يترك الركون إلى الدنيا بقي في حزب الشيطان ، وإن جهنم لموعدهم أجمعين . فإذا عرفت هذا تعجبت من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل . فما من أحد إلا وهو مقود إلى الجنة بسلاسل الأسباب ، وهو تسليط العلم والخوف عليه . وما من مخذول إلا وهو مقود إلى النار بسلاسل ، وهو تسليط الغفلة والأمن والغرور عليه . فالمتقون يساقون إلى الجنة قهرا ، والمجرمون يقادون إلى النار قهرا . ولا قاهر إلا الله الواحد القهار ، ولا قادر إلا الملك الجبار . وإذا انكشف الغطاء عن أعين الغافلين فشاهدوا الأمر كذلك ، سمعوا عند ذلك نداء المنادى * ( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّه ِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ) * « 1 » ولقد كان الملك لله الواحد القهار كل يوم ، لا ذلك اليوم على الخصوص . ولكن الغافلين لا يسمعون هذا النداء إلا ذلك اليوم . فهو نبأ عما يتجدد للغافلين من كشف الأحوال ، حيث لا ينفعهم الكشف . فنعوذ باللَّه الحليم الكريم من الجهل والعمى ، فإنه أصل أسباب الهلاك بيان تمييز ما يحبه الله تعالى عما يكرهه اعلم أن فعل الشكر وترك الكفر لا يتم إلا بمعرفة ما يحبه الله تعالى عما يكرهه . إذ معنى الشكر استعمال نعمه تعالى في محابه ، ومعنى الكفر نقيض ذلك ، إما بترك الاستعمال
هامش
« 1 » غافر : 16
إحياء علوم الدين — صفحة 81 | الغزالي