هم الأكثرون ، وفيهم من تنفتح بصيرته في بعض الأحوال ، فتلوح له حقائق التوحيد ، ولكن كالبرق الخاطف لا يثبت ، وفيهم من يلوح له ذلك ويثبت زمانا ، ولكن لا يدوم والدوام فيه عزيز
لكل إلى شأو العلا حركات
ولكن عزيز في الرجال ثبات
ولما أمر الله تعالى نبيه صلَّى الله عليه وسلم بطلب القرب ، فقيل له * ( واسْجُدْ واقْتَرِبْ ) * « 1 » [ 1 ] قال في سجوده « أعوذ بعفوك من عقابك وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بك منك لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » فقوله صلَّى الله عليه وسلم « أعوذ بعفوك من عقابك » كلام عن مشاهدة فعل الله فقط . فكأنه لم ير إلا الله وأفعاله ، فاستعاذ بفعله من فعله . ثم اقترب ففني عن مشاهدة الأفعال ، وترقى إلى مصادر الأفعال وهي الصفات ، فقال « أعوذ برضاك من سخطك » وهما صفتان ثم رأى ذلك نقصانا في التوحيد ، فاقترب ورقى من مقام مشاهدة الصفات إلى مشاهدة الذات فقال « وأعوذ بك منك » وهذا فرار منه إليه من غير رؤية فعل وصفه ، ولكنه رأى نفسه فارا منه إليه ، ومستعيذا ومثنيا ، ففني عن مشاهدة نفسه ، إذ رأى ذلك نقصانا واقترب فقال « لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » فقوله صلَّى الله عليه وسلم « لا أحصى » خبر عن فناء نفسه ، وخروج عن مشاهدتها . وقوله « أنت كما أثنيت على نفسك » بيان أنه المثنى والمثنى عليه ، وأن الكل منه بدأ وإليه يعود ، وأن « كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَه ُ » « 2 » فكان أول مقاماته نهاية مقامات الموحدين ، وهو أن لا يرى إلا الله تعالى وأفعاله ، فيستعيذ بفعل من فعل . فانظر إلى ما ذا انتهت نهايته إذا انتهى إلى الواحد الحق ، حتى ارتفع من نظره ومشاهدته سوى الذات الحق ولقد كان صلَّى الله عليه وسلم لا يرقى من رتبة إلى أخرى إلا ويرى الأولى بعدا بالإضافة إلى الثانية . فكان يستغفر الله من الأولى . ويرى ذلك نقصا في سلوكه وتقصيرا في مقامه
شرح
[ 1 ] حديث قال في سجوده أعوذ بعفوك من عقابك وأعوذ برضاك من سخطك - الحديث : مسلم من حديث عائشة أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك عن عقوبتك - الحديث .
هامش
« 1 » العلق : 19
« 2 » القصص : 88