أو باستعمالها في مكارهه . ولتمييز ما يحبه الله تعالى عما يكرهه مدركان . أحدهما : السمع ، ومستنده الآيات والأخبار ، والثاني : بصيرة القلب ، وهو النظر بعين الاعتبار . وهذا الأخير عسير ، وهو لأجل ذلك عزيز . فلذلك أرسل الله تعالى الرسل ، وسهل بهم الطريق على الخلق . ومعرفة ذلك تنبنى على معرفة جميع أحكام الشرع في أفعال العباد . فمن لا يطلع على أحكام الشرع في جميع أفعاله ، لم يمكنه القيام بحق الشكر أصلا .
وأما الثاني : وهو النظر بعين الاعتبار ، فهو إدراك حكمة الله تعالى في كل موجود خلقه . إذ ما خلق شيئا في العالم إلا وفيه حكمة ، وتحت الحكمة مقصود ، وذلك المقصود هو المحبوب . وتلك الحكمة منقسمة إلى جلية وخفية . أما الجلية ، فكالعلم بأن الحكمة في خلق الشمس أن يحصل بها الفرق بين الليل والنهار ، فيكون النهار معاشا ، والليل لباسا فتتيسر الحركة عند الإبصار ، والسكون عند الاستتار . فهذا من جملة حكم الشمس ، لا كل الحكم فيها . بل فيها حكم أخرى كثيرة دقيقة . وكذلك معرفة الحكمة في الغيم ونزول الأمطار ، وذلك لانشقاق الأرض بأنواع الثبات مطعما للخلق ، ومرعى للأنعام . وقد انطوى القرءان على جملة من الحكم الجلية التي تحملها أفهام الخلق ، دون الدقيق الذي يقصرون عن فهمه إذ قال تعالى * ( أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وعِنَباً ) * « 1 » الآية وأما الحكمة في سائر الكواكب ، السيارة منها والثوابت ، فخفية لا يطلع عليها كافة الخلق . والقدر الذي يحتمله فهم الخلق أنها زينة للسماء ، لتستلذ العين بالنظر إليها ، وأشار إليه قوله تعالى * ( إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ ) * « 2 » فجميع أجزاء العالم ، سماؤه وكواكبه ، ورياحه ، وبحاره ، وجباله ، ومعادنه ، ونباته ، وحيواناته ، وأعضاء حيواناته لا تخلو ذرة من ذراته عن حكم كثيرة ، من حكمة واحدة ، إلى عشرة ، إلى ألف ، إلى عشرة آلاف وكذا أعضاء الحيوان تنقسم إلى ما يعرف حكمتها ، كالعلم بأن العين للإبصار لا للبطش ، واليد للبطش لا للمشي ، والرجل للمشي لا للشم . فأما الأعضاء الباطنة من الأمعاء ، والمرارة والكبد ، والكلية ، وآحاد العروق ، والأعصاب ، والعضلات ، وما فيها من التجاويف ، والالتفاف ، والاشتباك ، والانحراف ، والدقة ، والغلظ ، وسائر الصفات ، فلا يعرف
هامش
« 1 » عبس : من 25 إلى 28
« 2 » الصفات : 6