الحكمة فيها سائر الناس . والذين يعرفونها لا يعرفون منها إلا قدرا يسيرا بالإضافة إلى ما في علم الله تعالى * ( وما أُوتِيتُمْ من الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) * « 1 » . فإذا كل من استعمل شيئا في جهة غير الجهة التي خلق لها ، ولا على الوجه الذي أريد به ، فقد كفر فيه نعمة الله تعالى .
فمن ضرب غيره بيده ، فقد كفر نعمة اليد إذ خلقت له اليد ليدفع بها عن نفسه ما يهلكه ويأخذ ما ينفعه ، لا ليهلك بها غيره . ومن نظر إلى وجه غير المحرم ، فقد كفر نعمة العين ونعمة الشمس ، إذ الإبصار يتم بهما ، وإنما خلقتا ليبصر بهما ما ينفعه في دينه ودنياه ، ويتقى بهما ما يضره فيهما ، فقد استعملهما في غير ما أريدتا به . وهذا لأن المراد من خلق الخلق ، وخلق الدنيا وأسبابها ، أن يستعين الخلق بهما على الوصول إلى الله تعالى ، ولا وصول إليه إلا بمحبته والأنس به في الدنيا ، والتجافي عن غرور الدنيا . ولا أنس إلا بدوام الذكر ، ولا محبة إلا بالمعرفة الحاصلة بدوام الفكر ، ولا يمكن الدوام على الذكر والفكر إلا بدوام البدن ، ولا يبقى البدن إلا بالغذاء ، ولا يتم الغذاء إلا بالأرض ، والماء ، والهواء ، ولا يتم ذلك إلا بخلق السماء والأرض ، وخلق سائر الأعضاء ظاهرا وباطنا . فكل ذلك لأجل البدن ، والبدن مطية النفس ، والراجع إلى الله تعالى هي النفس المطمئنة بطول العبادة والمعرفة فلذلك قال تعالى * ( وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ من رِزْقٍ ) * « 2 » الآية فكل من استعمل شيئا في غير طاعة الله ، فقد كفر نعمة الله في جميع الأسباب التي لا بد منها لإقدامه على تلك المعصية . ولنذكر مثالا واحدا للحكم الخفية التي ليست في غاية الخفاء ، حتى تعتبر بها ، وتعلم طريقة الشكر والكفران على النعم فنقول :
من نعم الله تعالى خلق الدراهم والدنانير . وبهما قوام الدنيا ، وهما حجران لا منفعة في أعيانهما ، ولكن يضطر الخلق إليهما من حيث إن كل إنسان محتاج إلى أعيان كثيرة في مطعمه ، وملبسه ، وسائر حاجاته . وقد يعجز عما يحتاج إليه ، ويملك ما يستغنى عنه ، كمن يملك الزعفران ، مثلا وهو محتاج إلى جمل يركبه ، ومن يملك الجمل ربما يستغنى ويحتاج إلى الزعفران فلا بد بينهما من معاوضة ، ولا بد في مقدار العوض من تقدير ، إذ لا يبذل صاحب الجمل جمله . بكل مقدار من الزعفران . ولا مناسبة بين الزعفران والجمل ، حتى يقال يعطى منه مثله في الوزن أو الصورة . وكذا من يشترى دارا بثياب ، أو عبدا بخف . أو دقيقا
هامش
« 1 » الإسراء : 85
« 2 » الذاريات : 56 ، 57