وقال داود عليه السّلام : يا رب ما جزاء الحزين الذي يصبر على المصائب ابتغاء مرضاتك ؟ قال جزاؤه أن ألبسه لباس الإيمان فلا أنزعه عنه أبدا . وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله في خطبته . ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه وعوضه منها الصبر ، إلا كان ما عوضه منها أفضل مما انتزع منه . وقرأ * ( إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ ) * « 1 » وسئل فضيل عن الصبر فقال . هو الرضا بقضاء الله . قيل وكيف ذلك ؟ قال الراضي لا يتمنى فوق منزلته . وقيل حبس الشبلي رحمه الله في المارستان ، فدخل عليه جماعة فقال من أنتم ؟ قالوا أحباؤك جاؤوك زائرين . فأخذ يرميهم بالحجارة . فأخذوا يهربون فقال : لو كنتم أحبائي لصبرتم على بلائي . وكان بعض العارفين في جيبه رقعة يخرجها كل ساعة ويطالعها وكان فيها * ( واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا ) * « 2 » ويقال إن امرأة فتح الموصلي عثرت ، فانقطع ظفرها ، فضحكت . فقيل لها أما تجدين الوجع ؟ فقالت إن لذة ثوابه أزالت عن قلبي مرارة وجعه . وقال داود لسليمان عليهما السّلام يستدل على تقوى المؤمن بثلاث : حسن التوكل فيما لم ينل ، وحسن الرضا فيما قد نال ، وحسن الصبر فيما قد فات . وقال نبينا صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « من إجلال الله ومعرفة حقّه أن لا تشكو وجعك ولا تذكر مصيبتك » . ويروى عن بعض الصالحين أنه خرج يوما وفي كمه صرة ، فافتقدها فإذا هي قد أخذت من كمه . فقال بارك الله له فيها ، لعله أحوج إليها منى . وروي عن بعضهم أنه قال مررت على سالم مولى أبي حذيفة في القتلى وبه رمق . فقلت له أسقيك ماء ، فقال . جرّنى قليلا إلى العدو ، واجعل الماء في الترس ، فإني صائم ، فإن عشت إلى الليل شربته ، فهكذا كان صبر سالكي طريق الآخرة على بلاء الله تعالى . فإن قلت فبما ذا تنال درجة الصبر في المصائب ، وليس الأمر إلى اختياره ، فهو مضطر شاء أم أبى ، فإن كان المراد به أن لا تكون في نفسه كراهية المصيبة . فذلك غير داخل في الاختيار . فاعلم أنه إنما يخرج عن مقام الصابرين بالجزع ،
شرح
[ 1 ] حديث من إجلال الله ومعرفة حقه أن لا تشكو وجعك ولا تذكر مصيبتك : لم أجده مرفوعا وانما رواه ابن أبي الدنيا في المرض والكفارات من رواية سفيان عن بعض الفقهاء قال من الصبر أن لا تتحدث بمصيبتك ولا يوجعك ولا تزكى نفسك
هامش
« 1 » الزمر : 10
« 2 » الطور : 48