تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
بالاصطلاح . ولو جعل وضع الجبهة على الأرض علامة استخفاف بالاصطلاح ، لتصور ذلك . كما أن الانبطاح بين يدي المعظم المحترم يرى استخفافا بالعادة . فلا ينبغي أن يدهشك صدف الجوهر عن الجوهر ، وقالب الروح عن الروح ، وقشر اللب عن اللب ، فتكون ممن قيده عالم الشهادة بالكلية عن عالم الغيب . وتحقق أن الشيطان من المنظرين ، فلا يتواضع لك بالكف عن الوسواس إلى يوم الدين ، إلا أن تصبح وهمومك هم واحد ، فتشغل قلبك باللَّه وحده ، فلا يجد الملعون مجالا فيك . فعند ذلك تكون من عباد الله المخلصين ، الداخلين في الاستثناء عن سلطنة هذا اللعين . ولا تظنن أنه يخلو عنه قلب فارغ . بل هو سيّال يجرى من ابن آدم مجرى الدم . وسيلانه مثل الهواء في القدح . فإنك إن أردت أن يخلو القدح عن الهواء من غير أن تشغله بالماء أو بغيره ، فقد طمعت في غير مطمع . بل بقدر ما يخلو من الماء يدخل فيه الهواء لا محالة . فكذلك القلب المشغول بفكر مهم في الدين ، يخلو عن جولان الشيطان . وإلا فمن غفل عن الله تعالى ولو في لحظة ، فليس له في تلك اللحظة قرين إلا الشيطان . ولذلك قال تعالى * ( ومن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَه ُ شَيْطاناً فَهُوَ لَه ُ قَرِينٌ ) * « 1 » وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّ الله تعالى يبغض الشّابّ الفارغ » وهذا لأن الشاب إذا تعطل عن عمل يشغل باطنه بمباح يستعين به على دينه ، كان ظاهره فارغا ، ولم يبق قلبه فارغا . بل يعشش فيه الشيطان ويبيض ويفرخ . ثم تزدوج أفراخه أيضا ، وتبيض مرة أخرى وتفرخ . وهكذا يتوالد نسل الشيطان توالدا أسرع من توالد سائر الحيوانات ، لأن طبعه من النار . وإذا وجد الحلفاء اليابسة كثر توالده ، فلا يزال تتوالد النار من النار ، ولا تنقطع البتة . بل تسرى شيئا فشيئا على الاتصال . فالشهوة في نفس الشاب للشيطان كالحلفاء اليابسة للنار ، وكما لا تبقى النار إذا لم يبق لها قوت وهو الحطب ، فلا يبقى للشيطان مجال إذا لم تكن شهوة فإذا إذا تأملت ، علمت أن أعدى عدوك شهوتك ، وهي صفة نفسك . ولذلك قال الحسين بن منصور الحلاج ، حين كان يصلب ، وقد سئل عن التصوف ما هو فقال : هي نفسك
شرح
[ 1 ] حديث إن الله يبغض الشاب الفارغ : لم أجده
هامش
« 1 » الزخرف : 36
إحياء علوم الدين — صفحة 56 | الغزالي