تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
يقصد بها الإزراء والاستحقار ، وذكر الموتى ، والقدح فيهم ، وفي علومهم ، وسيرهم ، ومناصبهم فإن ذلك في ظاهره غيبة ، وفي باطنه ثناء على النفس . فللنفس فيه شهوتان . إحداهما نفى الغير ، والأخرى إثبات نفسه . وبها تتم له الربوبية التي هي في طبعه ، وهي ضد ما أمر به من العبودية . ولاجتماع الشهوتين ، وتيسر تحريك اللسان ، ومصير ذلك معتادا في المحاورات يعسر الصبر عنها ، وهي أكبر الموبقات ، حتى بطل استنكارها واستقباحها من القلوب لكثرة تكريرها ، وعموم الأنس بها . فترى الإنسان يلبس حريرا مثلا ، فيستبعد غاية الاستبعاد ، ويطلق لسانه طول النهار في أعراض الناس ، ولا يستنكر ذلك ، مع ما ورد في الخبر [ 1 ] من أن الغيبة أشد من الزنا . ومن لم يملك لسانه في المحاورات ، ولم يقدر على الصبر عن ذلك ، فيجب عليه العزلة والانفراد ، فلا ينجيه غيره . فالصبر على الانفراد أهون من الصبر على السكوت مع المخالطة . وتختلف شدة الصبر في آحاد المعاصي باختلاف داعية تلك المعصية في قوتها وضعفها . وأيسر من حركة اللسان حركة الخواطر باختلاج الوساوس . فلا جرم يبقى حديث النفس في العزلة ، ولا يمكن الصبر عنه أصلا ، إلا بأن يغلب على القلب همّ آخر في الدين يستغرقه . كمن أصبح وهمومه همّ واحد ، وإلا فإن لم يستعمل الفكر في شيء معين لم يتصور فتور الوسواس عنه القسم الثاني : ما لا يرتبط هجومه باختياره ، وله اختيار في دفعه ، كما لو أوذى بفعل أو قول ، وجنى عليه في نفسه أو ماله ، فالصبر على ذلك بترك المكافأة تارة يكون واجبا ، وتارة يكون فضيلة . قال بعض الصحابة رضوان الله عليهم . ما كنا نعد إيمان الرجل إيمانا إذا لم يصبر على الأذى . وقال تعالى * ( ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) * « 1 » [ 2 ] وقسم رسول الله صلَّى الله عليه وسلم مرة مالا ، فقال بعض الأعراب من المسلمين . هذه قسمة ما أريد به وجه الله . فأخبر رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ، فاحمرت وجنتاه ثم قال « يرحم الله أخي موسى لقد أوذى بأكثر من هذا فصبر » وقال تعالى * ( ودَعْ أَذاهُمْ
شرح
[ 1 ] حديث ان الغيبة أشد من الزنا : تقدم في آفات اللسان [ 2 ] حديث قسمه مرة مالا وقول بعض الاعراب هذه قسمة ما أريد بها وجه الله - الحديث : متفق عليه من حديث ابن مسعود وقد تقدم
هامش
« 1 » إبراهيم : 12