تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
بالتفكر في نعمة الله تعالى عليه بالثواب ، نال درجة الصابرين . نعم من كمال الصبر كتمان المرض ، والفقر ، وسائر المصائب . وقد قيل . من كنوز البر كتمان المصائب والأوجاع والصدقة فقد ظهر لك بهذه التقسيمات أن وجوب الصبر عام في جميع الأحوال والأفعال . فإن الذي كفي الشهوات كلها ، واعتزل وحده ، لا يستغنى عن الصبر على العزلة والانفراد ظاهرا وعن الصبر عن وساوس الشيطان باطنا . فإن اختلاج الخواطر لا يسكن . وأكثر جولان الخواطر إنما يكون في فائت لا تدارك له ، أو في مستقبل لا بد وأن يحصل منه ما هو مقدر فهو كيفما كان تضييع زمان . وآلة العبد قلبه ، وبضاعته عمره . فإذا غفل القلب في نفس واحد عن ذكر يستفيد به أنسا باللَّه تعالى ، أو عن فكر يستفيد به معرفة باللَّه تعالى ، ليستفيد بالمعرفة محبة الله تعالى فهو مغبون . هذا إن كان فكره ووسواسه في المباحات مقصورا عليه . ولا يكون ذلك غالبا . بل يتفكر في وجوه الحيل لقضاء الشهوات ، إذ لا يزال ينازع كل من تحرك على خلاف غرضه في جميع عمره ، أو من يتوهم أنه ينازعه ويخالف أمره أو غرضه بظهور أمارة له منه . بل يقدر المخالفة من أخلص الناس في حبه ، حتى في أهله وولده ، ويتوهم مخالفتهم له ، ثم يتفكر في كيفية زجرهم وكيفية قهرهم ، وجوابهم ، عما يتعللون به في مخالفته . ولا يزال في شغل دائم ، فللشيطان جندان . جند يطير وجند يسير ، والوسواس عبارة عن حركة جنده الطيار ، والشهوة عبارة عن حركة جنده السيار . وهذا لأن الشيطان خلق من النار ، وخلق الإنسان من صلصال كالفخار . والفخار قد اجتمع فيه مع النار الطين والطين طبيعته السكون ، والنار طبيعتها الحركة . فلا يتصور نار مشتعلة لا تتحرك . بل لا تزال تتحرك بطبعها . وقد كلف الملعون المخلوق من النار أن يطمئن عن حركته ، ساجدا لما خلق الله من الطين ، فأبى واستكبر واستعصى ، وعبر عن سبب استعصائه بأن قال * ( خَلَقْتَنِي من نارٍ وخَلَقْتَه ُ من طِينٍ ) * « 1 » . فإذا حيث لم يسجد الملعون لأبينا آدم صلوات الله عليه وسلامه ، فلا ينبغي أن يطمع في سجوده لأولاده . ومهما كف عن القلب وسواسه وعدوانه ، وطيرانه وجولانه ، فقد أظهر انقياده وإذعانه وانقياده بالإذعان سجود منه . فهو روح السجود . وإنما وضع الجبهة على الأرض قالبه ، وعلامته الدالة عليه
هامش
« 1 » ص : 76
إحياء علوم الدين — صفحة 55 | الغزالي