تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
وشق الجيوب ، وضرب الخدود ، والمبالغة في الشكوى ، وإظهار الكآبة ، وتغيير العادة في الملبس ، والمفرش ، والمطعم . وهذه الأمور داخلة تحت اختياره ، فينبغي أن يجتنب جميعها ، ويظهر الرضا بقضاء الله تعالى ، ويبقى مستمرا على عادته ، ويعتقد أن ذلك كان وديعة فاسترجعت ، كما روي [ 1 ] عن الرميصاء أم سليم رحمها الله أنها قالت . توفى ابن لي ، وزوجي أبو طلحة غائب . فقمت فسجّيته في ناحية البيت . فقدم أبو طلحة ، فقمت فهيأت له إفطاره ، فجعل يأكل . فقال كيف الصبي ؟ قلت بأحسن حال بحمد الله ومنّه ، فإنه لم يكن منذ اشتكى بأسكن منه الليلة . ثم تصنعت له أحسن ما كنت أتصنع له قبل ذلك ، حتى أصاب منى حاجته . ثم قلت . ألا تعجب من جيراننا ؟ قال ما لهم ؟ قلت أعيروا عارية ، فلما طلبت منهم واسترجعت جزعوا ! فقال بئس ما صنعوا . فقلت هذا ابنك كان عارية من الله تعالى ، وإن الله قد قبضه إليه . فحمد الله واسترجع . ثم غدا على رسول الله صلَّى الله عليه وسلم فأخبره فقال . « اللهمّ بارك لهما في ليلتهما » قال الراوي . فلقد رأيت لهم بعد ذلك في المسجد سبعة ، كلهم قد قرؤا القرءان ، وروى جابر أنه عليه السّلام قال « رأيتني دخلت الجنّة فإذا أنا بالرّميصاء امرأة أبي طلحة » وقد قيل . الصبر الجميل هو أن لا يعرف صاحب المصيبة من غيره . ولا يخرجه عن حد الصابرين توجع القلب ، ولا فيضان العين بالدمع إذ يكون من جميع الحاضرين لأجل الموت سواء ، ولأن البكاء توجع القلب على الميت ، فإن ذلك مقتضى البشرية ، ولا يفارق الإنسان إلى الموت . ولذلك لما مات إبراهيم ولد النبي صلَّى الله عليه وسلم فاضت عيناه ، فقيل له أما نهيتنا عن هذا فقال « إنّ هذه رحمة وإنّما يرحم الله من عباده الرّحماء » بل ذلك أيضا لا يخرج عن مقام الرضا . فالمقدم على الحجامة والفصد راض به ، وهو متألم بسببه لا محالة ، وقد تفيض عيناه إذا عظم ألمه . وسيأتي ذلك في كتاب الرضا إن شاء الله تعالى ، وكتب ابن أبي نجيح يعزى بعض الخلفاء : إن أحق من عرف حق الله تعالى فيما أخذ منه ، من عظَّم حق الله تعالى عنده فيما أبقاه له واعلم أن الماضي قبلك هو الباقي لك ، والباقي بعدك هو المأجور فيك . واعلم أن أجر الصابرين فيما يصابون به أعظم من النعمة عليهم فيما يعافون منه . فإذا مهما دفع الكراهة
شرح
[ 1 ] حديث الرميصاء أم سليم توفى ابن لي وزوجي أبو طلحة غائب فقمت فسجيته في ناحية البيت - الحديث : طب ومن طريقه أبو نعيم في الحلية والقصة في الصحيحين من حديث أنس مع اختلاف