تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
وإن كان عن احتمال مكروه ، اختلفت أساميه عند الناس باختلاف المكروه الذي غلب عليه الصبر . فإن كان في مصيبة اقتصر على اسم الصبر ، وتضاده حالة تسمى الجزع والهلع ، وهو إطلاق داعي الهوى ليسترسل في رفع الصوت ، وضرب الخدود ، وشق الجيوب وغيرها . وإن كان في احتمال الغنى سمى ضبط النفس ، وتضاده حالة تسمى البطر . وإن كان في حرب ومقاتلة سمى شجاعة ، ويضاده الجبن . وإن كان في كظم الغيظ والغضب سمى حلما ، ويضاده التذمر . وإن كان في نائبة من نوائب الزمان مضجرة سمى سعة الصدر ويضاده الضجر والتبرم وضيق الصدر . وإن كان في إخفاء كلام سمى كتمان السر ، وسمى صاحبه كتوما . وإن كان عن فضول العيش سمى زهدا ، ويضاده الحرص ، وإن كان صبرا على قدر يسير من الحظوظ سمى قناعة ، ويضاده الشره . فأكثر أخلاق الإيمان داخل في الصبر . ولذلك لما سئل عليه السّلام مرة عن الإيمان قال « هو الصّبر » لأنه أكثر أعماله وأعزها ، كما قال [ 1 ] « الحجّ عرفة » وقد جمع الله تعالى أقسام ذلك وسمى الكل صبرا فقال تعالى * ( والصَّابِرِينَ في الْبَأْساءِ ) * « 1 » أي المصيبة ، * ( والضَّرَّاءِ ) * « 2 » أي الفقر ، * ( وحِينَ الْبَأْسِ ) * « 3 » أي المحاربة * ( أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) * « 4 » فإذا هذه أقسام الصبر باختلاف متعلقاتها . ومن يأخذ المعاني من الأسامي يظن أن هذه الأحوال مختلفة في ذواتها وحقائقها ، من حيث رأى الأسامي مختلفة . والذي يسلك الطريق المستقيم وينظر بنور الله ، يلحظ المعاني أولا ، فيطلع على حقائقها ، ثم يلاحظ الأسامي فإنها وضعت دالة على المعاني . فالمعاني هي الأصول ، والألفاظ هي التوابع . ومن يطلب الأصول من التوابع لا بد وأن يزل . وإلى الفريقين الإشارة بقوله تعالى * ( أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِه ِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) * « 5 » فإن الكفار لم يغلطوا فيما غلطوا فيه إلا بمثل هذه الانعكاسات ، نسأل الله حسن التوفيق بكرمه ولطفه
شرح
[ 1 ] حديث الحج عرفة : أصحاب السنن من حديث عبد الرحمن بن يعمر وتقدم في الحج
هامش
« 1 » البقرة : 177 « 2 » البقرة : 177 « 3 » البقرة : 177 « 4 » البقرة : 177 « 5 » الملك : 22