وإليه الإشارة بقوله تعالى * ( ونُنْشِئَكُمْ في ما لا تَعْلَمُونَ ) * « 1 » فالمقر بالقيامتين مؤمن بعالم الغيب والشهادة ، وموقن بالملك والملكوت : والمقر بالقيامة الصغرى دون الكبرى ناظر بالعين العوراء إلى أحد العالمين . وذلك هو الجهل والضلال ، والاقتداء بالأعور الدجال فما أعظم غفلتك يا مسكين ، وكلنا ذلك المسكين ، وبين يديك هذه الأهوال . فإن كنت لا تؤمن بالقيامة الكبرى بالجهل والضلال ، أفلا تكفيك دلالة القيامة الصغرى ؟ أو ما سمعت قول سيد الأنبياء [ 1 ] « كفى بالموت واعظا » أو ما سمعت بكربه عليه السّلام عند الموت حتى قال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « اللَّهمّ هوّن على محمّد سكرات الموت » أو ما تستحي من استبطائك هجوم الموت اقتداء برعاع الغافلين ، الذين لا ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون ، فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ، فيأتيهم المرض نذيرا من الموت فلا ينزجرون ، ويأتيهم الشيب رسولا منه فما يعتبرون ؟
فيا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن . أفيظنون أنهم في الدنيا خالدون ؟ أو لم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون ؟ أم يحسبون أن الموت سافروا من عندهم فهم معدومون ؟ كلا . إن كل لما جميع لدينا محضرون . ولكن ما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين . وذلك لأنا جعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ، فأغشيناهم فهم لا يبصرون ، وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون . ولنرجع إلى الغرض ، فإن هذه تلويحات تشبر إلى أمور هي أعلى من علوم المعاملة فنقول : قد ظهر أن الصبر عبارة عن ثبات باعث الدين في مقاومة باعث الهوى وهذه المقاومة من خاصة الآدميين لما وكل بهم من الكرام الكاتبين . ولا يكتبان شيئا على الصبيان والمجانين ، إذ قد ذكرنا أن الحسنة في الإقبال على الاستفادة منهما ، والسيئة في الإعراض عنهما ، وما للصبيان والمجانين سبيل إلى الاستفادة ، فلا يتصوّر منهما إقبال وإعراض
شرح
[ 1 ] حديث كفى بالموت واعظا : البيهقي في الشعب من حديث عائشة وفيه الربيع بن بدر ضعيف ورواه الطبراني من حديث عقبة بن عامر وهو معروف من قول الفضيل بن عياض رواه البيهقي في الزهد
[ 2 ] حديث اللهم هون على محمد سكرات الموت : الترمذي وقال غريب والنسائي في اليوم والليلة وابن ماجة من حديث عائشة بلفظ اللهم أعنى على سكرات الموت
هامش
« 1 » الواقعة : 61