تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
عقله في يد شهواته كمسلم أسير في أيدي الكفار ، فهم يستسخرونه في رعاية الخنازير ، وحفظ الخمور وحملها ، ومحله عند الله تعالى محل من يقهر مسلما ويسلمه إلى الكفار ، ويجعله أسيرا عندهم . لأنه بفاحش جنايته يشبه أنه سخر ما كان حقه أن لا يستسخر ، وسلط ما حقه أن لا يتسلط عليه . وإنما استحق المسلم أن يكون متسلطا لما فيه من معرفة الله وباعث الدين وإنما استحق الكافر أن يكون مسلطا عليه لما فيه من الجهل بالدين وباعث الشياطين . وحق المسلم على نفسه أوجب من حق غيره عليه . فمهما سخر المعنى الشريف الذي هو من حزب الله وجند الملائكة ، للمعنى الخسيس الذي هو من حزب الشياطين المبعدين عن الله تعالى ، كان كمن أرق مسلما لكافر ، بل هو كمن قصد الملك المنعم عليه ، فأخذ أعزّ أولاده وسلمه إلى أبغض أعدائه . فانظر كيف يكون كفرانه لنعمته ، واستيجابه لنقمته ، لأن الهوى أبغض إله عبد في الأرض عند الله تعالى ، والعقل أعز موجود خلق على وجه الأرض الحالة الثالثة : أن يكون الحرب سجالا بين الجندين فتارة له اليد عليها ، وتارة لها عليه . وهذا من المجاهدين يعد مثله لا من الظافرين . وأهل هذه الحالة هم الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ، عسى الله أن يتوب عليهم . هذا باعتبار القوة والضعف ويتطرق إليه أيضا ثلاثة أحوال باعتبار عدد ما يصبر عنه . فإنه إما أن يغلب جميع الشهوات ، أو لا يغلب شيئا منها ، أو يغلب بعضها دون بعض . وتنزيل قوله تعالى * ( خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً ) * « 1 » على من عجز عن بعض الشهوات دون بعض أولى والتاركون للمجاهدة مع الشهوات مطلقا يشبهون بالأنعام ، بل هم أضل سبيلا . إذ البهيمة لم تخلق لها المعرفة والقدرة التي بها تجاهد مقتضى الشهوات . وهذا قد خلق ذلك له وعطله ، فهو الناقص حقا ، المدبر يقينا . ولذلك قيل
ولم أر في عيوب الناس عيبا كنقص القادرين على التمام
وينقسم الصبر أيضا باعتبار اليسر والعسر ، إلى ما يشق على النفس فلا يمكن الدوام عليه إلا بجهد جهيد ، وتعب شديد ، ويسمى ذلك تصبرا ، وإلى ما يكون من غير شدة تعب بل يحصل بأدنى تحامل على النفس ، ويخص ذلك باسم الصبر . وإذا دامت التقوى ، وقوى
هامش
« 1 » التوبة : 102
إحياء علوم الدين — صفحة 45 | الغزالي