تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
عبده إلى أصول الدين . والمراد بالصبر العمل بمقتضى اليقين . إذ اليقين يعرفه أن المعصية ضارة ، والطاعة نافعة . ولا يمكن ترك المعصية والمواظبة على الطاعة إلا بالصبر ، وهو استعمال باعث الدين في قهر باعث الهوى والكسل . فيكون الصبر نصف الإيمان بهذا الاعتبار ولهذا جمع رسول الله صلَّى الله عليه وسلم بينهما فقال « من أقلّ ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصّبر » الحديث إلى آخره الاعتبار الثاني : أن يطلق على الأحوال المثمرة للأعمال لا على المعارف . وعند ذلك ينقسم جميع ما يلاقيه العبد إلى ما ينفعه في الدنيا والآخرة ، أو يضره فيهما . وله بالإضافة إلى ما يضره حال الصبر ، وبالإضافة إلى ما ينفعه حال الشكر . فيكون الشكر أحد شطرى الإيمان بهذا الاعتبار كما أن اليقين أحد الشطرين بالاعتبار الأول . وبهذا النظر قال ابن مسعود رضي الله عنه : الإيمان نصفان : نصف صبر ، ونصف شكر . وقد يرفع أيضا إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ولما كان الصبر صبرا عن باعث الهوى بثبات باعث الدين ، وكان باعث الهوى قسمين باعث من جهة الشهوة ، وباعث من جهة الغضب ، فالشهوة لطلب اللذيذ ، والغضب للهرب من المؤلم ، وكان الصوم صبرا عن مقتضى الشهوة فقط ، وهي شهوة البطن والفرج دون مقتضى الغضب ، قال صلَّى الله عليه وسلم بهذا الاعتبار « الصّوم نصف الصّبر » لأن كمال الصبر بالصبر عن دواعي الشهوة ودواعي الغضب جميعا . فيكون الصوم بهذا الاعتبار ربع الإيمان . فهكذا ينبغي أن تفهم تقديرات الشرع بحدود الأعمال والأحوال ، ونسبتها إلى الإيمان . والأصل فيه أن تعرف كثرة أبواب الإيمان ، فإن اسم الإيمان يطلق على وجوه مختلفة

بيان الأسامي التي تتجدد للصبر بالإضافة إلى ما عنه الصبر

اعلم أن الصبر ضربان : أحدهما ضرب بدني ، كتحمل المشاق بالبدن والثبات عليها ، وهو إما بالفعل كتعاطى الأعمال الشاقة ، إما من العبادات أو من غيرها ، وإما بالاحتمال كالصبر عن الضرب الشديد ، والمرض العظيم ، والجراحات الهائلة . وذلك قد يكون محمودا إذا وافق الشرع . ولكن المحمود التام هو الضرب الآخر ، وهو الصبر النفسي عن مشتهيات الطبع ومقتضيات الهوى . ثم هذا الضرب إن كان صبرا على شهوة البطن والفرج ، سمي عفة