تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
بيان أقسام الصبر بحسب اختلاف القوة والضعف اعلم أن باعث الدين بالإضافة إلى باعث الهوى له ثلاثة أحوال : أحدها : أن يقهر داعي الهوى فلا تبقى له قوة المنازعة . ويتوصل إليه بدوام الصبر . وعند هذا يقال . من صبر ظفر والواصلون إلى هذه الرتبة هم الأقلون . فلا جرم هم الصديقون المقربون ، الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا . فهؤلاء لازموا الطريق المستقيم ، واستووا على الصراط القويم ، واطمأنت نفوسهم على مقتضى باعث الدين . وإياهم ينادى المنادى يأيّتهَا النفس المطمئنة ، ارجعي إلى ربك راضية مرضية الحالة الثانية : أن تغلب دواعي الهوى ، وتسقط بالكلية منازعة باعث الدين ، فيسلم نفسه إلى جند الشياطين ، ولا يجاهد ليأسه من المجاهدة . وهؤلاء هم الغافلون . وهم الأكثرون وهم الذين استرقتهم شهواتهم ، وغلبت عليهم شقوتهم ، فحكموا أعداء الله في قلوبهم التي هي سر من أسرار الله تعالى ، وأمر من أمور الله . وإليهم الإشارة بقوله تعالى * ( ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ولكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ من الْجِنَّةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) * « 1 » وهؤلاء هم الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ، فخسرت صفقتهم وقيل لمن قصد إرشادهم * ( فَأَعْرِضْ عَنْ من تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا ولَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ من الْعِلْمِ ) * « 2 » وهذه الحالة علامتها اليأس والقنوط والغرور بالأمانى ، وهو غاية الحمق . كما قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله » وصاحب هذه الحالة إذا وعظ قال : أنا مشتاق إلى التوبة ولكنها قد تعذرت علىّ ، فلست أطمع فيها . أو لم يكن مشتاقا إلى التوبة ، ولكن قال : إن الله غفور رحيم كريم ، فلا حاجة به إلى توبتي وهذا المسكين قد صار عقله رقيقا لشهوته ، فلا يستعمل عقله إلا في استنباط دقائق الحيل التي بها يتوصل إلى قضاء شهوته . فقد صار
شرح
[ 1 ] حديث الكيس من دان نفسه - الحديث : تقدم في ذم الغرور
هامش
« 1 » السجدة : 13 « 2 » النجم : 29