تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
التصديق بما في العاقبة من الحسني ، تيسر الصبر . ولذلك قال تعالى * ( فَأَمَّا من أَعْطى واتَّقى وصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُه ُ لِلْيُسْرى ) * « 1 » ومثال هذه القسمة قدرة المصارع على غيره . فإن الرجل القوى يقدر على أن يصرع الضعيف بأدنى حملة وأيسر قوة ، بحيث لا يلقاه في مصارعته إعياء ولا لغوب ، ولا تضطرب فيه نفسه ولا ينبهر . ولا يقوى على أن يصرع الشديد إلا بتعب ومزيد جهد ، وعرق جبين . فهكذا تكون المصارعة بين باعث الدين وباعث الهوى . فإنه على التحقيق صراع بين جنود الملائكة وجنود الشياطين . ومهما أذعنت الشهوات وانقمعت ، وتسلط باعث الدين واستولى ، وتيسر الصبر بطول المواظبة أورث ذلك مقام الرضا كما سيأتي في كتاب الرضا . فالرضا أعلى من الصبر . ولذلك قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « اعبد الله على الرّضا فإن لم تستطع ففي الصّبر على ما تكره خير كثير » وقال بعض العارفين : أهل الصبر على ثلاثة مقامات : أولها ترك الشهوة ، وهذه درجة التائبين . وثانيها الرضا بالمقدور وهذه درجة الزاهدين . وثالثها المحبة لما يصنع به مولاه ، وهذه درجة الصديقين . وسنبين في كتاب المحبة أن مقام المحبة أعلى من مقام الرضا ، كما أن مقام الرضا أعلى من مقام الصبر . وكأن هذا الانقسام يجرى في صبر خاص ، وهو الصبر على المصائب والبلايا واعلم أن الصبر أيضا ينقسم باعتبار حكمه إلى فرض ، ونفل ، ومكروه ، ومحرم . فالصبر عن المحظورات فرض . وعلى المكاره نفل . والصبر على الأذى المحظور محظور . كمن تقطع يده أو يد ولده وهو يصبر عليه ساكتا ، وكمن يقصد حريمه بشهوة محظورة ، فتهيج غيرته ، فيصبر عن إظهار الغيرة ، ويسكت على ما يجرى على أهله ، فهذا الصبر محرم والصبر المكروه هو الصبر على أذى يناله بجهة مكروهة في الشرع . فليكن الشرع محك الصبر . فكون الصبر نصف الإيمان لا ينبغي أن يخيل إليك أن جميعه محمود . بل المراد به أنواع من الصبر مخصوصة
شرح
[ 1 ] حديث اعبد الله على الرضا فإن لم تستطع ففي الصبر على ما تكره خير كثير : الترمذي من حديث ابن عباس وقد تقدم
هامش
« 1 » الليل : 5