تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
العظام من اللحوم ، فقد حملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة . فإذا رمت العظام ، فقد نسفت الجبال نسفا . فإذا أظلم قلبك عند الموت ، فقد كورت الشمس تكويرا . فإذا بطل سمعك وبصرك وسائر حواسك ، فقد انكدرت النجوم انكدارا ، فإذا انشق دماغك ، فقد انشقت السماء انشقاقا . فإذا انفجرت من هول الموت عرق جبينك ، فقد فجرت البحار تفجيرا . فإذا التفت إحدى ساقيك بالأخرى وهما مطيتاك ، فقد عطلت العشار تعطيلا . فإذ فارقت الروح الجسد ، فقد حملت الأرض فمدت ، حتى ألقت ما فيها وتخلت ولست أطول بجميع موازنة الأحوال والأهوال . ولكني أقول : بمجرد الموت تقوم عليك هذه القيامة الصغرى ، ولا يفوتك من القيامة الكبرى شيء مما يخصك ، بل ما يخص غيرك فإن بقاء الكواكب في حق غيرك ما ذا ينفعك ، وقد انتثرت حواسك التي بها تنتفع بالنظر إلى الكواكب ؟ والأعمى يستوي عنده الليل والنهار ، وكسوف الشمس وانجلاؤها ، لأنها قد كسفت في حقه دفعة واحدة ، وهو حصته منها . فالانجلاء بعد ذلك حصة غيره . ومن انشق رأسه فقد انشقت سماؤه ، إذ السماء عبارة عما يلي جهة الرأس ، فمن لا رأس له لا سماء له فمن أين ينفعه بقاء السماء لغيره ؟ فهذه هي القيامة الصغرى ، والخوف بعد أسفل ، والهول بعد مؤخر . وذلك إذا جاءت الطامة الكبرى ، وارتفع الخصوص ، وبطلت السماوات والأرض ، ونسفت الجبال ، ونمت الأهوال واعلم أن هذه الصغرى وإن طولنا في وصفها ، فإنا لم نذكر عشر عشير أوصافها . وهي بالنسبة إلى القيامة الكبرى كالولادة الصغرى بالنسبة إلى الولادة الكبرى . فإن للإنسان ولادتين : إحداهما الخروج من الصلب والترائب إلى مستودع الأرحام ، فهو في الرحم في قرار مكين إلى قدر معلوم ، وله في سلوكه إلى الكمال منازل وأطوار ، من نطفة ، وعلقة ، ومضغة ، وغيرها ، إلى أن يخرج من مضيق الرحمن إلى فضاء العالم . فنسبة عموم القيامة الكبرى إلى خصوص القيامة الصغرى ، كنسبة سعة فضاء العالم إلى سعة فضاء الرحم ونسبة سعة العالم الذي يقدم عليه العبد بالموت إلى سعة فضاء الدنيا ، كنسبة فضاء الدنيا أيضا إلى الرحم ، بل أوسع وأعظم فقس الآخرة بالأولى ، فما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة وما النشأة الثانية إلا على قياس النشأة الأولى . بل أعداد النشآت ليست محصورة في اثنتين .
إحياء علوم الدين — صفحة 39 | الغزالي