يوسف ؟ قال لا . قال لقولك لإخوته أخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون لم خفت عليه الذئب ولم ترجنى ؟ ولم نظرت إلى غفلة إخوته ولم تنظر إلى حفظي له ؟ وتدري لم رددته عليك ؟ قال لا . قال لأنك رجوتني وقلت * ( عَسَى الله أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ) * « 1 » وبما قلت * ( اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا من يُوسُفَ وأَخِيه ِ ولا تَيْأَسُوا ) * « 2 » وكذلك لما قال يوسف لصاحب الملك * ( اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ) * « 3 » قال الله تعالى * ( فَأَنْساه ُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّه ِ فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ) * « 4 » . وأمثال هذه الحكايات لا تنحصر . ولم يرد بها القرءان والأخبار ورود الأسمار ، بل الغرض بها الاعتبار والاستبصار ، لتعلم أن الأنبياء عليهم السلام لم يتجاوز عنهم في الذنوب الصغار ، فكيف يتجاوز عن غيرهم في الذنوب الكبار ! نعم كانت سعادتهم في أن عوجلوا بالعقوبة ولم يؤخروا إلى الآخرة . والأشقياء يمهلون ليزدادوا إثما ، ولأن عذاب الآخرة أشد وأكبر ، فهذا أيضا مما ينبغي أن يكثر جنسه على أسماع المصرين ، فإنه نافع في تحريك دواعي التوبة
النوع الثالث : أن يقرر عندهم أن تعجيل العقوبة في الدنيا متوقع على الذنوب
وأن كل ما يصيب العبد من المصائب فهو بسبب جناياته . فرب عبد يتساهل في أمر الآخرة ، ويخاف من عقوبة الله في الدنيا أكثر لفرط جهله . فينبغي أن يخوّف به . فإن الذنوب كلها يتعجل في الدنيا شؤمها في غالب الأمر . كما حكي في قصة داود وسليمان عليهما السلام .
حتى أنه قد يضيق على العبد رزقه بسبب ذنوبه . وقد تسقط منزلته من القلوب ويستولى عليه أعداؤه . قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّ العبد ليحرم الرّزق بالذّنب يصيبه » وقال ابن مسعود . إني لأحسب أن العبد ينسى العلم بالذنب يصيبه وهو معنى قوله عليه السّلام [ 2 ] « من قارف ذنبا فارقه عقل لا يعود إليه أبدا » وقال بعض السلف : ليست اللعنة سوادا في الوجه ، ونقصا في المال ، إنما اللعنة أن لا تخرج من ذنب إلا وقعت في مثله
شرح
[ 1 ] حديث ان العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه : ابن ماجة والحاكم وصحح اسناده واللفظ له الا أنه قال الرجل بدل العبد من حديث ثوبان
[ 2 ] حديث من قارف ذنبا فارقه عقل لا يعود إليه أبدا : تقدم
هامش
« 1 » يوسف : 83
« 2 » يوسف : 87
« 3 » يوسف : 42
« 4 » يوسف : 42