وقد غلب هذا الداء على الأطباء ، فلم يقدروا على تحذير الخلق منه ، استنكافا من أن يقال لهم . فما بالكم تأمرون بالعلاج وتنسون أنفسكم ، فبهذا السبب عم على الخلق الداء وعظم الوباء ، وانقطع الدواء ، وهلك الخلق لفقد الأطباء . بل اشتغل الأطباء بفنون الإغواء ، فليتهم إذ لم ينصحوا لم يغشوا ، وإذ لم يصلحوا لم يفسدوا . وليتهم سكتوا وما نطقوا . فإنهم إذا تكلموا لم يهمهم في مواعظهم إلا ما يرغب العوام ، ويستميل قلوبهم .
ولا يتوصلون إلى ذلك إلا بالإرجاء ، وتغليب أسباب الرجاء ، وذكر دلائل الرحمة ، لأن ذلك ألذ في الأسماع ، وأخف على الطباع . فتنصرف الخلق عن مجالس الوعظ وقد استفادوا مزيد جراءة على المعاصي ، ومزيد ثقة بفضل الله . ومهما كان الطبيب جاهلا أو خائنا ، أهلك بالدواء حيث يضعه في غير موضعه ، فالرجاء والخوف دواءان ، ولكن لشخصين متضادى العلة أما الذي غلب عليه الخوف حتى هجر الدنيا بالكلية ، وكلف نفسه ما لا تطيق ، وضيق العيش على نفسه بالكلية ، فتكسر سورة إسرافه في الخوف بذكر أسباب الرجاء ، ليعود إلى الاعتدال .
وكذلك المصر على الذنوب ، المشتهى للتوبة ، الممتنع عنها بحكم القنوط واليأس استعظاما لذنوبه التي سبقت ، يعالج أيضا بأسباب الرجاء ، حتى يطمع في قبول التوبة فيتوب فأما معالجة المغرور المسترسل في المعاصي بذكر أسباب الرجاء ، فيضاهى معالجة المحرور بالعسل طلبا للشفاء . وذلك من دأب الجهال والأغبياء . فإذا فساد الأطباء هي المعضلة الزباء التي لا تقبل الدواء أصلا . فإن قلت : فاذكر الطريق الذي ينبغي أن يسلكه الواعظ في طريق الوعظ مع الخلق . فاعلم أن ذلك يطول ولا يمكن استقصاؤه .
نعم نشير إلى الأنواع النافعة في حل عقدة الإصرار ، وحمل الناس على ترك الذنوب . وهي أربعة أنواع
الأول : أن يذكر ما في القرءان من الآيات المخوفة للمذنبين والعاصين ، وكذلك ما ورد من الأخبار والآثار . مثل قوله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « ما من يوم طلع فجره ولا ليلة
شرح
[ 1 ] حديث ما من يوم طلع فجره ولا ليلة غاب شفقها إلا وملكان يتجاوبان بأربعة أصوات فيقول أحدهما يا ليت هذا الخلق لم يخلقوا - الحديث : غريب لم أجده هكذا وزوي أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن عمر بسند ضعيف ان الله ملكا ينادى في كل ليلة أبناء الأربعين زرع قد دنا حصاده - الحديث : وفيه ليت الخلائق لم يخلقوا وليتهم إذ خلقوا علموا لما ذا خلقوا فتجالسوا بينهم فتذاكروا - الحديث :