تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
القلب وتصفيته . فدرجاتها بحسب درجات تأثيرها ذلك يختلف باختلاف الأحوال . وذلك أنا بالقول المطلق ربما نقول الصلاة النافلة أفضل من كل عبادة نافلة ، وأن الحج أفضل من الصدقة ، وأن قيام الليل أفضل من غيره . ولكن التحقيق فيه أن الغني الذي معه مال ، وقد غلبه البخل وحب المال على إمساكه ، فإخراج الدرهم له أفضل من قيام ليال وصيام أيام ، لأن الصيام يليق بمن غلبته شهوة البطن فأراد كسرها ، أو منعه الشبع عن صفاء الفكر من علوم المكاشفة فأراد تصفية القلب بالجوع . فأما هذا المدبّر إذا لم تكن حاله هذه الحال ، فليس يستضر بشهوة بطنه ، ولا هو مشتغل بنوع فكر يمنعه الشبع منه . فاشتغاله بالصوم خروج منه عن حاله إلى حال غيره . وهو كالمريض الذي يشكو وجع البطن ، إذا استعمل دواء الصداع لم ينتفع به . بل حقه أن ينظر في المهلك الذي استولى عليه . والشح المطاع من جملة المهلكات ، ولا يزيل صيام مائة سنة ، وقيام ألف ليلة منه ذرة . بل لا يزيله إلا إخراج المال . فعليه أن يتصدق بما معه . وتفصيل هذا مما ذكرناه في ربع المهلكات ، فليرجع إليه فإذا باعتبار هذه الأحوال يختلف . وعند ذلك يعرف البصير أن الجواب المطلق فيه خطأ . إذ لو قال لنا قائل الخبز أفضل أم الماء ، لم يكن فيه جواب حق ، إلا أن الخبز للجائع أفضل ، والماء للعطشان أفضل . فإن اجتمعا فلينظر إلى الأغلب . فإن كان العطش هو الأغلب فالماء أفضل ، وإن كان الجوع أغلب فالخبز أفضل ، فإن تساويا فهما متساويان . وكذا إذا قيل السكنجبين أفضل أم شراب النيلوفر ، لم يصح الجواب عنه مطلقا أصلا . نعم لو قيل لنا السكنجبين أفضل أم عدم الصفراء ، فنقول عدم الصفراء ، لأن السكنجبين مراد له ، وما يراد لغيره فذلك الغير أفضل منه لا محالة . فإذا في بذل المال عمل ، وهو الإنفاق ، ويحصل به حال ، وهو زوال البخل ، وخروج حب الدنيا من القلب . ويتهيأ القلب بسبب خروج حب الدنيا منه لمعرفة الله تعالى وحبه . فالأفضل المعرفة ، ودونها الحال ، ودونها العمل فإن قلت : فقد حث الشرع على الأعمال ، وبالغ في ذكر فضلها . حتى طلب الصدقات بقوله * ( من ذَا الَّذِي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً ) * « 1 » وقال تعالى * ( ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ ) * « 2 » فكيف لا يكون الفعل والإنفاق هو الأفضل ؟ . فاعلم أن الطبيب إذا أثنى على الدواء لم يدل على
هامش
« 1 » البقرة : 245 « 2 » التوبة : 104