تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
لاحظ لنا في المساكين ، ولاحظ لله فينا وفي أموالنا . سواء أنفقنا أو أمسكنا هلكوا كما هلك الصبي لما ظن أن مقصود الوالد استخدامه لأجل العبيد ، ولم يشعر بأنه كان المقصود ثبات صفة العلم في نفسه ، وتأكده في قلبه ، حتى يكون ذلك سبب سعادته في الدنيا ، وإنما كان ذلك من الوالد تلطفا به في استجراره إلى ما فيه سعادته . فهذا المثال يبين لك ضلال من ضل من هذا الطريق . فإذا المسكين الآخذ لمالك يستوفى بواسطة المال خبث البخل وحب الدنيا من باطنك ، فإنه مهلك لك ، فهو كالحجام ، يستخرج الدم منك ليخرج بخروج الدم العلة المهلكة من باطنك . فالحجام خادم لك ، لا أنت خادم للحجام . ولا يخرج الحجام عن كونه خادما ، بأن يكون له غرض في أن يصنع شيئا بالدم . ولما كانت الصدقات مطهرة للبواطن ، ومزكية لها عن خبائث الصفات ، امتنع رسول الله صلَّى الله عليه وسلم من أخذها ، وانتهى عنها [ 1 ] كما نهى عن كسب الحجام [ 2 ] وسماها أوساخ أموال الناس ، وشرف أهل بيته بالصيانة عنها . والمقصود أن الأعمال مؤثرات في القلب كما سبق في ربع المهلكات ، والقلب بحسب تأثيرها مستعد لقبول الهداية ونور المعرفة . فهذا هو القول الكلى ، والقانون الأصلي الذي ينبغي أن يرجع إليه في معرفة فضائل الأعمال ، والأحوال ، والمعارف . ولنرجع الآن إلى خصوص ما نحن فيه من الصبر والشكر فنقول : في كل واحد منهما معرفة وحال ، وعمل . فلا يجوز أن تقابل المعرفة في أحدهما بالحال أو العمل في الآخر . بل يقابل كل واحد منها بنظيره ، حتى يظهر التناسب وبعد التناسب يظهر الفضل ومهما قوبلت معرفة الشاكر بمعرفة الصابر ، ربما رجعا إلى معرفة واحدة ، إذ معرفة الشاكر أن يرى نعمة العينين مثلا من الله تعالى ، ومعرفة الصابر أن يرى العمى من الله وهما معرفتان متلازمتان متساويتان . هذا إن اعتبرنا في البلاء والمصائب . وقد بينا أن الصبر قد يكون على الطاعة ، وعن المعصية . وفيهما يتحد الصبر والشكر . لأن الصبر
شرح
[ 1 ] حديث النهى عن كسب الحجام : تقدم [ 2 ] حديث امتنع من الصدقة وسماها أوساخ الناس وشرف أهل بيته بالصيانة عنها : مسلم من حديث عبد المطلب بن ربيعة ان هذه الصدقة لا تحل لنا انما هي أوساخ القوم وانها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد وفي رواية له أوساخ الناس
إحياء علوم الدين — صفحة 165 | الغزالي