لاحظ لنا في المساكين ، ولاحظ لله فينا وفي أموالنا . سواء أنفقنا أو أمسكنا هلكوا كما هلك الصبي لما ظن أن مقصود الوالد استخدامه لأجل العبيد ، ولم يشعر بأنه كان المقصود ثبات صفة العلم في نفسه ، وتأكده في قلبه ، حتى يكون ذلك سبب سعادته في الدنيا ، وإنما كان ذلك من الوالد تلطفا به في استجراره إلى ما فيه سعادته . فهذا المثال يبين لك ضلال من ضل من هذا الطريق . فإذا المسكين الآخذ لمالك يستوفى بواسطة المال خبث البخل وحب الدنيا من باطنك ، فإنه مهلك لك ، فهو كالحجام ، يستخرج الدم منك ليخرج بخروج الدم العلة المهلكة من باطنك . فالحجام خادم لك ، لا أنت خادم للحجام . ولا يخرج الحجام عن كونه خادما ، بأن يكون له غرض في أن يصنع شيئا بالدم . ولما كانت الصدقات مطهرة للبواطن ، ومزكية لها عن خبائث الصفات ، امتنع رسول الله صلَّى الله عليه وسلم من أخذها ، وانتهى عنها [ 1 ] كما نهى عن كسب الحجام [ 2 ] وسماها أوساخ أموال الناس ، وشرف أهل بيته بالصيانة عنها .
والمقصود أن الأعمال مؤثرات في القلب كما سبق في ربع المهلكات ، والقلب بحسب تأثيرها مستعد لقبول الهداية ونور المعرفة . فهذا هو القول الكلى ، والقانون الأصلي الذي ينبغي أن يرجع إليه في معرفة فضائل الأعمال ، والأحوال ، والمعارف . ولنرجع الآن إلى خصوص ما نحن فيه من الصبر والشكر فنقول : في كل واحد منهما معرفة وحال ، وعمل . فلا يجوز أن تقابل المعرفة في أحدهما بالحال أو العمل في الآخر . بل يقابل كل واحد منها بنظيره ، حتى يظهر التناسب وبعد التناسب يظهر الفضل ومهما قوبلت معرفة الشاكر بمعرفة الصابر ، ربما رجعا إلى معرفة واحدة ، إذ معرفة الشاكر أن يرى نعمة العينين مثلا من الله تعالى ، ومعرفة الصابر أن يرى العمى من الله وهما معرفتان متلازمتان متساويتان . هذا إن اعتبرنا في البلاء والمصائب . وقد بينا أن الصبر قد يكون على الطاعة ، وعن المعصية . وفيهما يتحد الصبر والشكر . لأن الصبر
شرح
[ 1 ] حديث النهى عن كسب الحجام : تقدم
[ 2 ] حديث امتنع من الصدقة وسماها أوساخ الناس وشرف أهل بيته بالصيانة عنها : مسلم من حديث عبد المطلب بن ربيعة ان هذه الصدقة لا تحل لنا انما هي أوساخ القوم وانها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد وفي رواية له أوساخ الناس