على الطاعة هو عين شكر الطاعة ، لأن الشكر يرجع إلى صرف نعمة الله تعالى إلى ما هو المقصود منها بالحكمة ، والصبر يرجع إلى ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الهوى ، فالصبر والشكر فيه اسمان لمسمى واحد باعتبارين مختلفين . فثبات باعث الدين في مقاومة باعث الهوى يسمى صبرا بالإضافة إلى باعث الهوى ، ويسمى شكرا بالإضافة إلى باعث الدين إذ باعث الدين إنما خلق لهذه الحكمة ، وهو أن يصرع به باعث الشهوة ، فقد صرفه إلى مقصود الحكمة . فهما عبارتان عن معنى واحد فكيف يفضل الشيء على نفسه ! فإذا مجاري الصبر ثلاثة : الطاعة ، والمعصية ، والبلاء . وقد ظهر حكمهما في الطاعة والمعصية
وأما البلاء ، فهو عبارة عن فقد نعمة .
والنعمة إما أن تقع ضرورية كالعينين مثلا ، وإما أن تقع في محل الحاجة كالزيادة على قدر الكفاية من المال . أما العينان ، فصبر الأعمى عنهما بأن لا يظهر الشكوى ، ويظهر الرضا بقضاء الله تعالى ، ولا يترخص بسبب العمى في بعض المعاصي . وشكر البصير عليهما من حيث العمل بأمرين . أحدهما أن لا يستعين بهما على معصية ، والآخر أن يستعملهما في الطاعة . وكل أحد من الأمرين لا يخلو عن الصبر فإن الأعمى كفى الصبر عن الصور الجميلة لأنه لا يراها . والبصير إذا وقع بصره على جميل فصبر كان شاكرا لنعمة العينين ، وإن أتبع النظر كفر نعمة العينين ، فقد دخل الصبر في شكره : وكذا إذا استعان بالعينين على الطاعة ، فلا بد أيضا فيه من صبر على الطاعة . ثم قد يشكرها بالنظر إلى عجائب صنع الله تعالى . ليتوصل به إلى معرفة الله سبحانه وتعالى ، فيكون هذا الشكر أفضل من الصبر ولولا هذا لكانت رتبة شعيب عليه السّلام مثلا ، وقد كان ضريرا ، من الأنبياء فوق رتبة موسى عليه السّلام ، وغيره من الأنبياء ، لأنه صبر على فقد البصر ، وموسى عليه السّلام لم يصبر مثلا : ولكان الكمال في أن يسلب الإنسان الأطراف كلها . ويترك كلحم على وضم ، وذلك محال جدا لأن كل واحد من هذه الأعضاء آلة في الدين ، يفوت بفوتها ذلك الركن من الدين . وشكرها باستعمالها فيما هي آلة فيه من الدين . وذلك لا يكون إلا بصبر . وأما ما يقع في محل الحاجة ، كالزيادة على الكفاية من المال ، فإنه إذا لم يؤت إلا قدر الضرورة ، وهو محتاج إلى ما وراءه ، ففي الصبر عنه مجاهدة ، وهو جهاد الفقر .
ووجود الزيادة نعمة ، وشكرها أن تصرف إلى الخيرات ، أو أن لا تستعمل في المعصية .
إحياء علوم الدين — صفحة 166
مساهمون: الغزالي
ص١٦٦