تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
وكما عرفت أن في كل طرفة عين نعما كثيرة ، فاعلم أن في كل نفس ينبسط وينقبض نعمتين ، إذ بانبساطه يخرج الدخان المحترق من القلب ، ولو لم يخرج لهلك ، وبانقباضه يجمع روح الهواء إلى القلب ، ولو سد متنفسه لاحترق قلبه بانقطاع روح الهواء وبرودته عنه وهلك ، بل اليوم والليلة أربع وعشرون ساعة ، وفي كل ساعة قريب من ألف نفس وكل نفس قريب من عشر لحظات ، فعليك في كل لحظة آلاف آلاف نعمة في كل جزء من أجزاء بدنك ، بل في كل جزء من أجزاء العالم فانظر هل يتصور إحصاء ذلك أم لا ولما انكشف لموسى عليه السّلام حقيقة قوله تعالى * ( وإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لا تُحْصُوها ) * « 1 » قال . إلهي كيف أشكرك ولك في كل شعرة من جسدي نعمتان ، أن لينت أصلها ، وأن طمست رأسها وكذا ورد في الأثر أن من لم يعرف نعم الله إلا في مطعمه ومشربه ، فقد قل علمه ، وحضر عذابه ، وجميع ما ذكرناه يرجع إلى المطعم والمشرب ، فاعتبر ما سواه من النعم به ، فإن البصير لا تقع عينه في العالم على شيء ولا يلم خاطره بموجود إلا ويتحقق أن لله فيه نعمة عليه فلنترك الاستقصاء والتفصيل ، فإنه طمع في غير مطمع بيان السبب الصارف للخلق عن الشكر اعلم أنه لم يقصر بالخلق عن شكر النعمة إلا الجهل والغفلة . فإنهم منعوا بالجهل والغفلة عن معرفة النعم . ولا يتصور شكر النعمة إلا بعد معرفتها . ثم إنهم إن عرفوا نعمة ظنوا أن الشكر عليها أن يقول بلسانه . الحمد لله ، الشكر لله ، ولم يعرفوا أن معنى الشكر أن يستعمل النعمة في إتمام الحكمة التي أريدت بها ، وهي طاعة الله عز وجل . فلا يمنع من الشكر بعد حصول هاتين المعرفتين إلا غلبة الشهوة واستيلاء الشيطان . أما الغفلة عن النعم فلها أسباب . وأحد أسبابها أن الناس بجهلهم لا يعدون ما يعم الخلق ويسلم لهم في جميع أحوالهم نعمة . فلذلك لا يشكرون على جملة ما ذكرناه من النعم ، لأنها عامة للخلق ، مبذولة لهم في جميع أحوالهم . فلا يرى كل واحد لنفسه منهم اختصاصا به ، فلا يعده نعمة ، ولا تراهم يشكرون الله على روح
هامش
« 1 » النحل : 18