الهواء ، ولو أخذ بمختنقهم لحظة حتى انقطع الهواء عنهم ماتوا ، ولو حبسوا في بيت حمام فيه هواء حار ، أو في بئر فيه هواء ثقل برطوبة الماء ، ماتوا غما . فإن ابتلى واحد منهم بشيء من ذلك ثم نجا ، ربما قدّر ذلك نعمة ، وشكر الله عليها . وهذا غاية الجهل . إذ صار شكرهم موقوفا على أن تسلب عنهم النعمة ، ثم ترد عليهم في بعض الأحوال . والنعمة في جميع الأحوال أولى بأن تشكر في بعضها . فلا ترى البصير يشكر صحة بصره إلا أن تعمى عينه ، فعند ذلك لو أعيد عليه بصره أحس به وشكره ، وعده نعمة . ولما كانت رحمة الله واسعة ، عمم الخلق ، وبذل لهم في جميع الأحوال ، فلم يعده الجاهل نعمة . وهذا الجاهل مثل العبد السوء ، حقه أن يضرب دائما ، حتى إذا ترك ضربه ساعة تقلد به منة . فإن ترك ضربه على الدوام غلبه البطر ، وترك الشكر : فصار الناس لا يشكرون إلا المال الذي يتطرق الاختصاص إليه من حيث الكثرة والقلة ، وينسون جميع نعم الله تعالى عليهم ، كما شكا بعضهم فقره إلى بعض أرباب البصائر ، وأظهر شدة اغتمامه به ، فقال له أيسرك أنك أعمى ولك عشرة آلاف درهم ؟
فقال لا . فقال أيسرك أنك أخرس ولك عشرة آلاف درهم ؟ فقال لا . فقال أيسرك أنك أقطع اليدين والرجلين ولك عشرون ألفا ؟ فقال لا . فقال أيسرك أنك مجنون ولك عشرة آلاف درهم ؟ فقال لا . فقال أما تستحي أن تشكو مولاك وله عندك عروض بخمسين ألفا .
وحكي أن بعض القراء اشتد به الفقر حتى ضاق به ذرعا فرأى في المنام كأن قائلا يقول له تود أنا أنسيناك من القرءان سورة الأنعام وأن لك ألف دينار ؟ قال لا . قال فسورة هود ؟
قال لا . قال فسورة يوسف ؟ قال لا . فعدد عليه سورا ثم قال . فمعك قيمة مائة ألف دينار وأنت تشكو ! فأصبح وقد سرى عنه . ودخل ابن السماك على بعض الخلفاء وبيده كوز ماء يشربه . فقال له : عظني . فقال : لو لم تعط هذه الشربة إلا ببذل جميع أموالك ، وإلا بقيت عطشان ، فهل كنت تعطيه ؟ قال نعم . فقال لو لم تعط إلا بملكك كله ، فهل كنت تتركه ؟ قال نعم . قال . فلا تفرح بملك لا يساوى شربة ماء . فبهذا تبين أن نعمة الله تعالى على العبد في شربة ماء عند العطش أعظم من ملك الأرض كلها . وإذا كانت الطباع مائلة إلى اعتداد النعمة الخاصة نعمة دون العامة ، وقد ذكرنا النعم العامة ، فلنذكر إشارة وجيزة إلى النعم الخاصة فنقول . ما من عبد إلا ولو أمعن النظر في أحواله ، رأى من الله
إحياء علوم الدين — صفحة 140
مساهمون: الغزالي
ص١٤٠