تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
في طاعتك مرة ، ومعصيتك أخرى . بل كأنه منتظر لأمرك ونهيك ، ينفتح ، وينطبق متصلا بإشارتك . فهذا يشبهه من وجه . لكن يخالفه من وجه إذ الجفن لا علم له بما يصدر منه من الحركة فتحا وإطباقا ، والملائكة أحياء عالمون بما يعملون . فإذا هذه نعمة الله عليك في الملائكة الأرضية والسماوية ، وحاجتك إليهما في غرض الأكل فقط ، دون ما عداها من الحركات والحاجات كلها ، فإنا لم نطول بذكرها ، فهذه طبقة أخرى من طبقات النعم ، ومجامع الطبقات لا يمكن إحصاؤها ، فكيف آحاد ما يدخل تحت مجامع الطبقات ! فإذا قد أسبغ الله تعالى نعمه عليك ظاهرة وباطنة ، ثم قال * ( وذَرُوا ظاهِرَ الإِثْمِ وباطِنَه ُ ) * « 1 » فترك باطن الإثم مما لا يعرفه الخلق من الحسد ، وسوء الظن ، والبدعة ، واضمار الشر للناس إلى غير ذلك من آثام القلوب ، هو الشكر للنعم الباطنة ، وترك الإثم الظاهر بالجوارح ، شكر للنعمة الظاهرة . بل أقول كل من عصى الله تعالى ولو في تطريفة واحدة بأن فتح جفنه مثلا حيث يجب غض البصر ، فقد كفر كل نعمة لله تعالى عليه في السماوات والأرض وما بينهما . فإن كل ما خلقه الله تعالى حتى الملائكة ، والسماوات والأرض والحيوانات والنبات ، بجملته نعمة على كل واحد من العباد ، قد تم به انتفاعه ، وإن انتفع غيره أيضا به ، فإن لله تعالى في كل تطريفة بالجفن نعمتين في نفس الجفن ، إذ خلق تحت كل جفن عضلات ولها أوتار ورباطات متصلة بأعصاب الدماغ ، بها يتم انخفاض الجفن الأعلى ، وارتفاع الجفن الأسفل ، وعلى كل جفن شعور سود ، ونعمة الله تعالى في سوادها أنها تجمع ضوء العين ، إذ البياض يفرق الضوء ، والسواد يجمعه ، ونعمة الله في ترتيبها صفا واحدا أن يكون مانعا للهوام من الدبيب إلى باطن العين ، ومتشبثا للأقذاء التي تتناثر في الهواء ، وله في كل شعرة منهما نعمتان من حيث لين أصلها ، ومع اللين قوام نصبها ، وله في اشتباك الأهداب نعمة أعظم من الكل ، وهو أن غبار الهواء قد يمنع من فتح العين ، ولو طبق لم يبصر ، فيجمع الأجفان مقدار ما تتشابك الأهداب . فينظر من وراء شباك الشعر ، فيكون شباك الشعر مانعا من وصول القذى من خارج ، وغير مانع من امتداد البصر من داخل
هامش
« 1 » الأنعام : 120