تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
المحرك لها بروابط دقيقة خفية عن الأبصار . فإذا المقصود أن غذاء النبات لا يتم إلا بالماء ، والهواء ، والشمس ، والقمر ، والكواكب . ولا يتم ذلك إلا بالأفلاك التي هي مركوزة فيها . ولا تتم الأفلاك إلا بحركاتها . ولا تتم حركاتها إلا بملائكة سماوية يحركونها وكذلك يتمادى ذلك إلى أسباب بعيدة تركنا ذكرها تنبيها بما ذكرناه على ما أهملناه ، ولنقتصر على هذا من ذكر أسباب غذاء النبات

الطرف الخامس في نعم الله تعالى في الأسباب الموصلة للأطعمة إليك

اعلم أن هذه الأطعمة كلها لا توجد في كل مكان ، بل لها شروط مخصوصة لأجلها توجد في بعض الأماكن دون بعض . والناس منتشرون على وجه الأرض ، وقد تبعد عنهم الأطعمة ، ويحول بينهم وبينها البحار والبراري . فانظر كيف سخر الله تعالى التجار ، وسلط عليهم حرص حب المال وشهوة الربح ، مع أنهم لا يغنيهم في غالب الأمر شيء ، بل يجمعون ، فإما أن تغرق بها السفن ، أو تنهبها قطاع الطريق ، أو يموتوا في بعض البلاد فيأخذها السلاطين . وأحسن أحوالهم أن يأخذها ورثتهم وهم أشد أعدائهم لو عرفوا فانظر كيف سلط الله الجهل والغفلة عليهم ، حتى يقاسوا الشدائد في طلب الربح ، ويركبوا الأخطار ، ويغرروا بالأرواح في ركوب البحر ، فيحملون الأطعمة وأنواع الحوائج من أقصى الشرق والغرب إليك . وانظر كيف علمهم الله تعالى صناعة السفن ، وكيفية الركوب فيها . وانظر كيف خلق الحيوانات ، وسخرها للركوب والحمل في البراري . وانظر إلى الإبل . كيف خلقت ، وإلى الفرس كيف امتدت بسرعة الحركة ، وإلى الحمار كيف جعل صبورا على التعب ، وإلى الجمال كيف تقطع البراري وتطوى المراحل تحت الأعباء الثقيلة على الجوع والعطش . وانظر كيف سيرهم الله تعالى بواسطة السفن والحيوانات في البر والبحر ليحملوا إليك الأطعمة وسائر الحوائج وتأمل ما يحتاج إليه الحيوانات من أسبابها ، وأدواتها ، وعلفها ، وما تحتاج إليه السفن ، فقد خلق الله تعالى جميع ذلك إلى حد الحاجة - وفوق الحاجة وإحصاء ذلك غير ممكن . ويتمادى ذلك إلى أمور خارجة عن الحصر نرى تركها طلبا للإيجاز
إحياء علوم الدين — صفحة 130 | الغزالي