تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
الشمس والقمر وسائر الكواكب عليها ، لكانت فاسدة ناقصة ، حتى أن الشجرة الصغيرة تفسد إذا ظللتها شجرة كبيرة . وتعرف ترطيب القمر بأن تكشف رأسك له بالليل ، فتغلب على رأسك الرطوبة التي يعبر عنها بالزكام . فكما يرطب رأسك يرطب الفاكهة أيضا . ولا نطول فيما لا مطمع في استقصائه ، بل نقول كل كوكب في السماء فقد سخر لنوع فائدة كما سخرت الشمس للتسخين والقمر للترطيب . فلا يخلو واحد منها عن حكم كثيرة لا تفي قوّة البشر بإحصائها . ولو لم يكن كذلك لكان خلقها عبثا وباطلا ، ولم يصح قوله تعالى * ( رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا ) * « 1 » وقوله عز وجل * ( وما خَلَقْنَا السَّماواتِ والأَرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ) * « 2 » وكما أنه ليس في أعضاء بدنك عضو إلا لفائدة ، فليس في أعضاء بدن العالم عضو إلا لفائدة . والعالم كله كشخص واحد ، وآحاد أجسامه كالأعضاء له ، وهي متعاونة تعاون أعضاء بدنك في جملة بدنك . وشرح ذلك يطول . ولا ينبغي أن تظن أن الإيمان بأن النجوم ، والشمس ، والقمر ، مسخرات بأمر الله سبحانه في أمور جعلت أسبابا لها بحكم الحكمة مخالف للشرع ، لما ورد فيه من [ 1 ] النهى عن تصديق المنجمين ، وعن علم النجوم . بل المنهي عنه في النجوم أمران : أحدهما : أن تصدق بأنها فاعلة لآثارها ، مستقلة بها ، وأنها ليست مسخرة تحت تدبير مدبر خلقها وقهرها ، وهذا كفر . والثاني : تصديق المنجمين في تفصيل ما يخبرون عنه من الآثار التي لا يشترك كافة الخلق في دركها ، لأنهم يقولون ذلك عن جهل . فإن علم أحكام النجوم كان معجزة لبعض الأنبياء عليهم السّلام ، ثم اندرس ذلك العلم ، فلم يبق إلا ما هو مختلط لا يتميز فيه الصواب عن الخطأ . فاعتقاد كون الكواكب أسبابا لآثار تحصل بخلق الله تعالى في الأرض ، وفي النبات ، وفي الحيوان ليس قادحا في الدين . بل هو حق .
شرح
[ 1 ] حديث النهى عن تصديق المنجمين وعن علم النجوم : أبو داود وابن ماجة بسند صحيح من حديث ابن عباس من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد وللطبراني من حديث ابن مسعود وثوبان إذا ذكر النجوم فأمسكوا واسنادهما ضعيف وقد تقدم في العلم ولمسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي قال قلت يا رسول الله أمورا كنا نصنعها في الجاهلية كنا نأتى الكهان قال فلا تأتوا الكهان الحديث
هامش
« 1 » آل عمران : 191 « 2 » الدخان : 38