تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
البعض منها بالبعض . فرتبوا الرؤساء ، والقضاة ، والسجن وزعماء الأسواق ، واضطروا الخلق إلى قانون العدل ، وألزموهم التساعد والتعاون ، حتى صار الحداد ينتفع بالقصاب ، والخباز ، وسائر أهل البلد ، وكلهم ينتفعون بالحداد . وصار الحجام ينتفع بالحراث ، والحراث بالحجام ، وينتفع كل واحد بكل واحد ، بسبب ترتيبهم ، واجتماعهم ، وانضباطهم تحت ترتيب السلطان وجمعه ، كما يتعاون جميع أعضاء البدن وينتفع بعضها ببعض وانظر كيف بعث الأنبياء عليهم السّلام حتى أصلحوا السلاطين المصلحين للرعايا ، وعرفوهم قوانين الشرع في حفظ العدل بين الخلق ، وقوانين السياسة في ضبطهم ، وكشفوا من أحكام الإمامة ، والسلطنة ، وأحكام الفقه ما اهتدوا به إلى إصلاح الدنيا ، فضلا عما أرشدوهم إليه من إصلاح الدين . وانظر كيف أصلح الله تعالى الأنبياء بالملائكة ، وكيف أصلح الملائكة بعضهم ببعض ، إلى أن ينتهى إلى الملك المقرب الذي لا واسطة بينه وبين الله تعالى فالخباز يخبز العجين ، والطحان يصلح الحب بالطحن ، والحراث يصلحه بالحصاد ، والحداد يصلح آلات الحراثة ، والنجار يصلح آلات الحداد ، وكذا جميع أرباب الصناعات المصلحين لآلات الأطعمة ، والسلطان يصلح الصناع ، والأنبياء يصلحون العلماء الذين هم ورثتهم ، والعلماء يصلحون السلاطين ، والملائكة يصلحون الأنبياء ، إلى أن ينتهى إلى حضرة الربوبية التي هي ينبوع كل نظام ، ومطلع كل حسن وجمال ، ومنشأ كل ترتيب وتأليف . وكل ذلك نعم من رب الأرباب ، ومسبب الأسباب . ولولا فضله وكرمه إذ قال تعالى * ( والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ) * « 1 » لما اهتدينا إلى معرفة هذه النبذة اليسيرة من نعم الله تعالى . ولولا عزله إيانا عن أن نطمح بعين الطمع إلى الإحاطة بكنه نعمه ، لتشوفنا إلى طلب الإحاطة والاستقصاء . ولكنه تعالى عزلنا بحكم القهر والقدرة ، فقال تعالى * ( وإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لا تُحْصُوها ) * « 2 » فإن تكلمنا فبإذنه انبسطنا ، وإن سكتنا فبقهره انقبضنا ، إذ لا معطى لما منع ، ولا مانع لما أعطى ، لأنا في كل لحظة من لحظات العمر قبل الموت نسمع بسمع القلوب نداء الملك الجبار * ( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّه ِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ) * « 3 » فالحمد لله الذي ميزنا عن الكفار ، وأسمعنا هذا النداء قبل انقضاء الأعمار
هامش
« 1 » العنكبوت : 69 « 2 » النحل : 18 « 3 » غافر : 16
إحياء علوم الدين — صفحة 133 | الغزالي