تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
ولكن دعوى العلم بتلك الآثار على التفصيل مع الجهل قادح في الدين . ولذلك إذا كان معك ثوب غسلته وتريد تجفيفه ، فقال لك غيرك أخرج الثوب وأبسطه فإن الشمس قد طلعت وحمي النهار والهواء ، لا يلزمك تكذيبه ، ولا يلزمك الإنكار عليه بحوالته حمي الهواء على طلوع الشمس : وإذا سألت عن تغير وجه الإنسان ، فقال قرعتنى الشمس في الطريق فاسود وجهي ، لم يلزمك تكذيبه بذلك . وقس بهذا سائر الآثار . إلا أن الآثار بعضها معلوم ، وبعضها مجهول . فالمجهول لا يجوز دعوى العلم فيه ، والمعلوم بعضه معلوم للناس كافة كحصول الضياء والحرارة بطلوع الشمس ، وبعضه لبعض الناس كحصول الزكام بشروق القمر . فإذا الكواكب ما خلقت عبثا ، بل فيها حكم كثيرة لا تحصى ولهذا نظر رسول الله صلَّى الله عليه وسلم إلى السماء [ 1 ] وقرأ قوله تعالى * ( رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ ) * « 1 » ثم قال صلَّى الله عليه وسلم « ويل لمن قرأ هذه الآية ثمّ مسح بها سبلته » ومعناه أن يقرأ ويترك التأمل ، ويقتصر من فهم ملكوت السماوات على أن يعرف لون السماء وضوء الكواكب . وذلك مما تعرفه البهائم أيضا . فمن قنع منه بمعرفة ذلك فهو الذي مسح بها سبلته . فللَّه تعالى في ملكوت السماوات ، والآفاق ، والأنفس ، والحيوانات ، عجائب يطلب معرفتها المحبون لله تعالى فإن من أحب عالما فلا يزال مشغولا بطلب تصانيفه ، ليزداد بمزيد الوقوف على عجائب علمه حبّا له . فكذلك الأمر في عجائب صنع الله تعالى ، فإن العالم كله من تصنيفه ، بل تصنيف المصنفين من تصنيفه الذي صنّفه بواسطة قلوب عباده فإن تعجبت من تصنيف فلا تتعجب من المصنف ، بل من الذي سخر المصنف لتصنيفه بما أنعم عليه من هدايته ، وتسديده ، وتعريفه . كما إذا رأيت لعب المشهود ترقص وتتحرك حركات موزونة متناسبة فلا تعجب من اللعب ، فإنها خرق محركة لا متحركة ، ولكن تعجب من حذق المشعوذ
شرح
[ 1 ] حديث قرأ قوله تعالى ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ثم قال ويل لمن قرأ هذه الآية ثم مسح بها سبلته أي ترك تأملها : الثعلبي من حديث ابن عباس بلفظ ولم يتفكر فيها وفيه أبو جناب يحيى بن أبي حبة ضعيف
هامش
« 1 » آل عمران : 191
إحياء علوم الدين — صفحة 129 | الغزالي