والصنائع الغريبة . فانظر إلى المقراض مثلا ، وهما جلمان متطابقان ، ينطبق أحدهما على الآخر ، فيتناولان الشيء معا ويقطعانه بسرعة . ولو لم يكشف الله تعالى طريق اتخاذه بفضله وكرمه لمن قبلنا وافتقرنا إلى استنباط الطريق فيه بفكرنا ، ثم إلى استخراج الحديد من الحجر ، وإلى تحصيل الآلات التي بها يعمل المقراض ، وعمر الواحد منا عمر نوح ، وأوتي أكمل العقول ، لقصر عمره عن استنباط الطريق في إصلاح هذه الآلة وحدها ، فضلا عن غيرها . فسبحان من ألحق ذوي الأبصار بالعميان ، وسبحان من منع التبيين مع هذا البيان . فانظر الآن لو خلا بلدك عن الطحان مثلا ، أو عن الحداد . أو عن الحجام الذي هو أخس العمال ، أو عن الحائك أو عن واحد من جملة الصناع ، ما ذا يصيبك من الأذى ، وكيف تضطرب عليك أمورك كلها . فسبحان من سخر بعض العباد لبعض ، حتى نفذت به مشيئته ، وتمت به حكمته ولنوجز القول في هذه الطبقة أيضا ، فإن الغرض التنبيه على النعم دون الاستقصاء
الطرف السابع في إصلاح المصلحين
اعلم أن هؤلاء الصناع المصلحين للأطعمة وغيرها ، لو تفرقت آراؤهم ، وتنافرت طباعهم تنافر طباع الوحش ، لتبددوا وتباعدوا ، ولم ينتفع بعضهم ببعض ، بل كانوا كالوحوش لا يحويهم مكان واحد ، ولا يجمعهم غرض واحد . فانظر كيف ألف الله بين قلوبهم ، وسلط الأنس والمحبة عليهم * ( لَوْ أَنْفَقْتَ ما في الأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكِنَّ الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ) * « 1 » فلأجل الألف وتعارف الأرواح اجتمعوا وائتلفوا ، وبنو المدن والبلاد ورتبوا المساكن والدور متقاربة متجاورة ، ورتبوا الأسواق والخانات وسائر أصناف البقاع مما يطول إحصاؤه . ثم هذه المحبة تزول بأغراض يتزاحمون عليها ، ويتنافسون فيها . ففي جبلة الإنسان الغيظ ، والحسد ، والمنافسة ، وذلك مما يؤدى إلى التقاتل والتنافر فانظر كيف سلط الله تعالى السلاطين ، وأمدهم بالقوة والعدة والأسباب ، وألقى رعبهم في قلوب الرعايا حتى أذعنوا لهم طوعا وكرها . وكيف هدى السلاطين إلى طريق إصلاح البلاد ، حتى رتبوا أجزاء البلد كأنها أجزاء شخص واحد ، تتعاون على غرض واحد ، ينتفع
هامش
« 1 » الأنفال : 63