لغذائها . ولو تركتها في الماء لم تزد . ولو تركتها في أرض لا ماء فيها لم تزد . بل لا بد من أرض فيها ماء ، يمتزج ماؤها بالأرض فيصير طينا . وإليه الإشارة بقوله تعالى * ( فَلْيَنْظُرِ الإِنْسانُ إِلى طَعامِه ِ أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وعِنَباً وقَضْباً وزَيْتُوناً ) * « 1 » ثم لا يكفي الماء والتراب . إذ لو تركت في أرض ندية ، صلبة متراكمة . لم تنبت لفقد الهواء . فيحتاج إلى تركها في أرض رخوة متخلخلة ، يتغلغل الهواء إليها . ثم الهواء لا يتحرك إليها بنفسه ، فيحتاج إلى ريح تحرك الهواء وتضربه بقهر وعنف على الأرض حتى ينفذ فيها وإليه الإشارة بقوله تعالى * ( وأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ ) * « 2 » وإنما إلقاحها في إيقاع الازدواج بين الهواء والماء والأرض . ثم كل ذلك لا يغنيك لو كان في برد مفرط ، وشتاء شات فتحتاج إلى حرارة الربيع والصيف . فقد بان احتياج غذائه إلى هذه الأربعة . فانظر إلى ما ذا يحتاج كل واحد . إذ يحتاج الماء لينساق إلى أرض الزراعة من البحار ، والعيون ، والأنهار ، والسواقي . فانظر كيف خلق الله البحار ، وفجر العيون ، وأجرى منها الأنهار ثم الأرض ربما تكون مرتفعة ، والمياه لا ترتفع إليها ، فانظر كيف خلق الله تعالى الغيوم وكيف سلط الرياح عليها لتسوقها بإذنه إلى أقطار الأرض ، وهي سحب ثقال حوامل بالماء ثم انظر كيف يرسله مدرارا على الأراضي في وقت الربيع والخريف على حسب الحاجة .
وانظر كيف خلق الجبال حافظة للمياه ، تتفجر منها العيون تدريجا . فلو خرجت دفعة لغرقت البلاد ، وهلك الزرع والمواشي . ونعم الله في الجبال ، والسحاب ، والبحار ، والأمطار ، لا يمكن إحصاؤها . وأما الحرارة فإنها لا تحصل بين الماء والأرض ، وكلاهما باردان ، فانظر كيف سخر الشمس ، وكيف خلقها مع بعدها عن الأرض مسخنة للأرض في وقت دون وقت ، ليحصل البرد عند الحاجة إلى البرد ، والحر عند الحاجة إلى الحر . فهذه إحدى حكم الشمس . والحكم فيها أكثر من أن تحصى . ثم النبات إذا ارتفع عن الأرض كان في الفواكه انعقاد وصلابة ، فتفتقر إلى رطوبة تنضجها ، فانظر كيف خلق القمر وجعل من خاصيته الترطيب ، كما جعل من خاصية الشمس التسخين ، فهو ينضج الفواكه ويصبغها بتقدير الفاطر الحكيم . ولذلك لو كانت الأشجار في ظل يمنع شروق
هامش
« 1 » عبس : 24 - 29
« 2 » الحجر : 22