تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
ووجوده ، وكيفية سريانه في الأعضاء ، وكيفية حصول الإحساس والقوى في الأعضاء به حتى إذا خدر بعض الأعضاء علموا أن ذلك لوقوع سدة في مجرى هذا الروح ، فلا يعالجون موضع الخدر ، بل منابت الأعصاب ومواقع السدة فيها ، ويعالجونها بما يفتح السدة ، فإن هذا الجسم بلطفه ينفذ في شباك العصب ، وبواسطته يتأدى من القلب إلى سائر الأعضاء ، وما يرتقى إليه معرفة الأطباء فأمره سهل نازل . وأما الروح التي هي الأصل ، وهي التي إذا فسدت فسد لها سائر البدن ، فذلك سر من أسرار الله تعالى لم نصفه ، ولا رخصة في وصفه إلا بأن يقال هو أمر رباني ، كما قال تعالى * ( قُلِ الرُّوحُ من أَمْرِ رَبِّي ) * « 1 » والأمور الربانية لا تحتمل العقول وصفها ، بل تتحير فيها عقول أكثر الخلق . وأما الأوهام والخيالات فقاصرة عنها بالضرورة قصور البصر عن إدراك الأصوات ، وتتزلزل في ذكر مبادى وصفها معاقد العقول المقيدة بالجوهر والعرض المحبوسة في مضيقها ، فلا يدرك بالعقل شيء من وصفه ، بل بنور آخر أعلى وأشرف من العقل يشرق ذلك النور في عالم النبوة والولاية ، نسبته إلى العقل نسبة العقل إلى الوهم والخيال وقد خلق الله تعالى الخلق أطوارا . فكما يدرك الصبي المحسوسات ولا يدرك المعقولات لأن ذلك طور لم يبلغه بعد . فكذلك يدرك البالغ المعقولات ولا يدرك ما وراءها ، لأن ذلك طور لم يبلغه بعد . وإنه لمقام شريف ، ومشرب عذب ، ورتبة عالية ، فيها يلحظ جناب الحق بنور الإيمان واليقين ، وذلك المشرب أعز من أن يكون شريعة لكل وارد ، بل لا يطلع عليه إلا واحد بعد واحد . ولجناب الحق صدر ، وفي مقدمة الصدر مجال وميدان رحب ، وعلى أول الميدان عتبة هي مستقر ذلك الأمر الرباني . فمن لم يكن له على هذه العتبة جواز ، ولا لحافظ العتبة مشاهدة ، استحال أن يصل الميدان . فكيف بالانتهاء إلى ما وراءه من المشاهدات العالية ! ولذلك قيل : من لم يعرف نفسه لم يعرف ربه . وأنى يصادف هذا في خزانة الأطباء ! ومن أين للطبيب أن يلاحظه ! بل المعنى المسمى روحا عند الطبيب ، بالإضافة إلى هذا الأمر الرباني ، كالكرة التي يحركها صولجان الملك . بالإضافة إلى الملك فمن عرف الروح الطبي فظن أنه أدرك الأمر الرباني ، كان كمن رأى الكرة التي يحركها صولجان الملك ، فظن أنه رأى الملك . ولا يشك في أن خطأه فاحش . وهذا الخطأ أفحش
هامش
« 1 » الاسراء : 85