تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
الذي في باطن القلب له كالفتيلة ، والغذاء له كالزيت ، والحياة الظاهرة في سائر أعضاء البدن بسببه كالضوء للسراج في جملة البيت . وكما أن السراج إذا انقطع زيته انطفأ ، فسراج الروح أيضا ينطفئ مهما انقطع غذاؤه . وكما أن الفتيلة قد تحترق فتصير رمادا بحيث لا تقبل الزيت ، فينطفئ السراج مع كثرة الزيت ، فكذلك الدم الذي تشبث به هذا البخار في القلب قد يحترق بفرط حرارة القلب ، فينطفئ مع وجود الغذاء ، فإنه لا يقبل الغذاء الذي يبقى به الروح . كما لا يقبل الرماد الزيت قبولا تتشبث النار به وكما أن السراج تارة ينطفئ بسبب من داخل كما ذكرناه ، وتارة بسبب من خارج كريح عاصف ، فكذلك الروح تارة تنطفئ بسبب من داخل . وتارة بسبب من خارج وهو القتل وكما أن انطفاء السراج بفناء الزيت ، أو بفساد الفتيلة ، أو بريح عاصف ، أو بإطفاء إنسان لا يكون إلا بأسباب مقدرة في علم الله مرتبة ، ويكون كل ذلك بقدر ، فكذلك انطفاء الروح . وكما أن انطفاء السراج هو منتهى وقت وجوده ، فيكون ذلك أجله الذي أجل له في أم الكتاب ، فكذلك انطفاء الروح . وكما أن السراج إذا انطفأ أظلم البيت كله فالروح إذا انطفأ أظلم البدن كله ، وفارقته أنواره التي كان يستفيدها من الروح ، وهي أنوار الإحساسات ، والقدر ، والإرادات ، وسائر ما يجمعها معنى لفظ الحياة فهذا أيضا رمز وجيز إلى عالم آخر من عوالم نعم الله تعالى وعجائب صنعه وحكمته ، ليعلم أنه لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي عز وجل فتعسا لمن كفر باللَّه تعسا ، وسحقا لمن كفر نعمته سحقا فإن قلت : فقد وصفت الروح ومثلته ، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] سئل عن الروح فلم يزد عن أن قال * ( قُلِ الرُّوحُ من أَمْرِ رَبِّي ) * « 1 » فلم يصفه لهم على هذا الوجه ، فاعلم أن هذه غفلة عن الاشتراك الواقع في لفظ الروح . فإن الروح يطلق لمعان كثيرة لا تطول بذكرها . ونحن إنما وصفنا من جملتها جسما لطيفا تسميه الأطباء روحا . وقد عرفوا صفته
شرح
[ 1 ] حديث انه سئل عن الروح فلم يزد على أن قال الروح من أمر ربي : متفق عليه من حديث ابن مسعود وقد تقدم في شرح عجائب القلب
هامش
« 1 » الاسراء : 85