تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
الفضلتان فسد مزاج الأعضاء . فخلق الله تعالى المرارة والطحال ، وجعل لكل واحد منهما عنقا ممدودا إلى الكبد ، داخلا في تجويفه . فتجذب المرارة الفضلة الصفراوية ، ويجذب الطحال العكر السوداوي . فيبقى الدم صافيا ليس فيه إلا زيادة رقة ورطوبة ، لما فيه من المائية . ولولاها لما انتشر في تلك العروق الشعرية ، ولا خرج منها متصاعدا إلى الأعضاء فخلق الله سبحانه الكليتين ، وأخرج من كل واحدة منهما عنقا طويلا إلى الكبد . ومن عجائب حكمة الله تعالى أن عنقهما ليس داخلا في تجويف الكبد ، بل متصل بالعروق الطالعة من حدبة الكبد ، حتى يجذب ما يليها بعد الطلوع من العروق الدقيقة التي في الكبد . إذ لو اجتذب قبل ذلك لغلظ ولم يخرج من العروق . فإذا انفصلت منه المائية فقد صار الدم صافيا من الفضلات الثلاث ، نقيا من كل ما يفسد الغذاء . ثم إن الله تعالى أطلع من الكبد عروقا ، ثم قسمها بعد الطلوع أقساما ، وشعب كل قسم بشعب ، وانتشر ذلك في البدن كله من الفرق إلى القدم ظاهرا وباطنا ، فيجري الدم الصافي فيها ، ويصل إلى سائر الأعضاء ، حتى تصير العروق المنقسمة شعرية كعروق الأوراق والأشجار ، بحيث لا تدرك بالأبصار ، فيصل منها الغذاء بالرشح إلى سائر الأعضاء . ولو حلت بالمرارة آفة فلم تجذب الفضلة الصفراوية فسد الدم ، وحصل منه الأمراض الصفراوية ، كاليرقان والبثور والحمرة . وإن حلت بالطحال آفة فلم يجذب الخلط السوداوي ، حدثت الأمراض السوداوية ، كالبهق والجذام والماليخوليا وغيرها . وإن لم تندفع المائية نحو الكلا حدث منه الاستسقاء وغيره . ثم انظر إلى حكمة الفاطر الحكيم ، كيف رتب المنافع على هذه الفضلات الثلاث الخسيسة ، أما المرارة فإنها تجذب بأحد عنقيها ، وتقذف بالعنق الآخر إلى الأمعاء ، ليحصل له في ثفل الطعام رطوبة مزلقة ، ويحدث في الأمعاء لذع يحركها للدفع ، فتنضغط حتى يندفع الثفل وينزلق ، وتكون صفرته لذلك وأما الطحال فإنه يحيل تلك الفضلة إحالة يحصل بها فيه حموضة وقبض ، ثم يرسل منها في كل يوم شيئا إلى فم المعدة ، فيحرك الشهوة بحموضته ، وينبهها ويثيرها ، ويخرج الباقي مع الثفل وأما الكلية فإنها تغتذي بما في تلك المائية من دم ، وترسل الباقي إلى المثانة ولنقتصر على هذا القدر من بيان نعم الله تعالى في الأسباب التي أعدت للأكل . ولو ذكرنا كيفية احتياج الكبد إلى القلب والدماغ ، واحتياج كل واحد من هذه الأعضاء
إحياء علوم الدين — صفحة 122 | الغزالي