تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
الرئيسة إلى صاحبه ، وكيفية انشعاب العروق الضوارب من القلب إلى سائر البدن ، وبواسطتها يصل الحس ، وكيفية انشعاب العروق السواكن من الكبد إلى سائر البدن وبواسطتها يصل الغذاء ، ثم كيفية تركب الأعضاء ، وعدد عظامها ، وعضلاتها ، وعروقها وأوتارها ، ورباطاتها ، وغضاريفها ، ورطوباتها ، لطال الكلام . وكل ذلك محتاج إليه للأكل ولأمور أخر سواه . بل في الآدمي آلاف من العضلات ، والعروق ، والأعصاب . مختلفة بالصغر ، والكبر ، والدقة والغلظ ، وكثرة الانقسام وقلته ، ولا شيء منها إلا وفيه حكمة أو اثنتان ، أو ثلاث ، أو أربع ، إلى عشر وزيادة . وكل ذلك نعم من الله تعالى عليك ، لو سكن من جملتها عرق متحرك ، أو تحرك عرق ساكن ، لهلكت يا مسكين . فانظر إلى نعمة الله تعالى عليك أولا ، لتقوى بعدها على الشكر ، فإنك لا تعرف من نعمة الله سبحانه إلا الأكل وهو أخسها ، ثم لا تعرف منها إلا أنك تجوع فتأكل ، والحمار أيضا يعلم أنه يجوع فيأكل ، ويتعب فينام ، ويشتهي فيجامع ، ويستنهض فينهض ويرمح . فإذا لم تعرف أنت من نفسك إلا ما يعرفه الحمار ، فكيف تقوم بشكر نعمة الله عليك . وهذا الذي رمزنا إليه على الإيجاز قطرة من بحر واحد من بحار نعم الله فقط . فقس على الإجمال ما أهملناه من جملة ما عرفناه حذرا من التطويل . وجملة ما عرفناه وعرفه الخلق كلهم بالإضافة إلى ما لم يعرفوه من نعم الله تعالى ، أقل من قطرة من بحر . إلا أن من علم شيئا من هذا أدرك شمة من معاني قوله تعالى * ( وإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لا تُحْصُوها ) * « 1 » . ثم انظر كيف ربط الله تعالى قوام هذه الأعضاء ، وقوام منافعها وإدراكاتها وقواها ببخار لطيف ، يتصاعد من الأخلاط الأربعة ، ومستقره القلب ، ويسرى في جميع البدن بواسطة العروق الضوارب فلا ينتهى إلى جزء من أجزاء البدن إلا ويحدث عند وصوله في تلك الأجزاء ما يحتاج إليه من قوة حس وإدراك ، وقوة حركة وغيرها ، كالسراج الذي يدار في أطراف البيت ، فلا يصل إلى جزء إلا ويحصل بسبب وصوله ضوء على أجزاء البيت ، من خلق الله تعالى واختراعه ، ولكنه جعل السراج سببا له بحكمته . وهذا البخار اللطيف هو الذي تسميه الأطباء الروح ، ومحله القلب . ومثاله جرم نار السراج ، والقلب له كالمسرجة ، والدم الأسود
هامش
« 1 » النحل : 18