تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
وهو يابس ، فلا تقدر على الابتلاع إلا بأن ينزلق إلى الحلق بنوع رطوبة . فانظر كيف خلق الله تعالى تحت اللسان عينا يفيض اللعاب منها ، وينصب بقدر الحاجة ، حتى ينعجن به الطعام . فانظر كيف سخرها لهذا الأمر ، فإنك ترى الطعام من بعد ، فيثور الحنكان للخدمة ، وينصب اللعاب حتى تتحلب أشداقك ، والطعام بعد بعيد عنك . ثم هذا الطعام المطحون المنعجن ، من يوصله إلى المعدة وهو في الفم ، ولا تقدر على أن تدفعه باليد ، ولا يد في المعدة حتى تمتد فتجذب الطعام . فانظر كيف هيأ الله تعالى المريء والحنجرة ، وجعل على رأسها طبقات تنفتح لأخذ الطعام ، ثم تنطبق وتنضغط حتى ينقلب الطعام بضغطه ، فيهوى إلى المعدة في دهليز المريء . فإذا ورد الطعام على المعدة ، وهو خبز وفاكهة مقطعة ، فلا يصلح لأن يصير لحما وعظما ودما على هذه الهيئة ، بل لا بد وأن يطبخ طبخا تاما حتى تتشابه أجزاؤه . فخلق الله تعالى المعدة على هيئة قدر ، فيقع فيها الطعام ، فتحتوى عليه ، وتغلق عليه الأبواب ، فلا يزال لابثا فيها حتى يتم الهضم والنضج ، بالحرارة التي تحيط بالمعدة من الأعضاء الباطنة ، إذ من جانبها الأيمن الكبد ، ومن الأيسر الطحال ومن قدام الترائب ، ومن خلف لحم الصلب ، فتتعدى الحرارة إليها من تسخين هذه الأعضاء من الجوانب ، حتى ينطبخ الطعام ويصير مائعا متشابها ، يصلح للنفوذ في تجاويف العروق . وعند ذلك يشبه ماء الشعير في تشابه أجزائه ورقته ، وهو بعد لا يصلح للتغذية فخلق الله تعالى بينها وبين الكبد مجاري من العروق ، وجعل لها فوهات كثيرة ، حتى ينصب الطعام فيها ، فينتهى إلى الكبد . والكبد معجون من طينة الدم حتى كأنه دم ، وفيه عروق كثيرة شعرية منتشرة في أجزاء الكبد ، فينصب الطعام الرقيق النافذ فيها ، وينتشر في أجزائها ، حتى تستولى عليه قوة الكبد ، فتصبغه بلون الدم ، فيستقر فيها ريثما يحصل له نضج آخر ، ويحصل له هيئة الدم الصافي الصالح لغذاء الأعضاء . إلا أن حرارة الكبد هي التي تنضج هذا الدم . فيتولد من هذا الدم فضلتان كما يتولد في جميع ما يطبخ ، إحداهما : شبيهة بالدردى والعكر وهو الخلط السوداوي ، والأخرى : شبيهة بالرغوة ، وهي الصفراء . ولو لم تفصل عنها م 16 : ثاني عشر : إحياء