تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
أعظم من التمثيل بالكلب والحمار ، وقد قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « من ازداد علما ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلَّا بعدا » وقال أيضا [ 2 ] « يلقى العالم في النّار فتندلق أقتابه فيدور بها في النّار كما يدور الحمار في الرّحى » وكقوله عليه الصلاة والسلام [ 3 ] « شرّ النّاس العلماء السّوء » وقول أبي الدرداء : ويل الذي لا يعلم مرة ، ولو شاء الله لعلمه . وويل للذي يعلم ولا يعمل سبع مرات . أي أن العلم حجة عليه ، إذ يقال له . ما ذا عملت فيما علمت ؟ وكيف قضيت شكر الله ؟ وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 4 ] « أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه » . فهذا وأمثاله مما أوردناه في كتاب العلم ، في باب علامة علماء الآخرة أكثر من أن يحصى . إلا أن هذا فيما لا يوافق هوى العالم الفاجر . وما ورد في فضل العلم يوافقه . فيميل الشيطان قلبه إلى ما يهواه ، وذلك عين الغرور . فإنه إن نظر بالبصيرة ، فمثاله ما ذكرناه . وإن نظر بعين الإيمان ، فالذي أخبره بفضيلة العلم هو الذي أخبره بذم العلماء السوء وأن حالهم عند الله أشد من حال الجهال ، فبعد ذلك اعتقاده أنه على خير مع تأكد حجة الله عليه غاية الغرور . وأما الذي يدعى علوم المكاشفة ، كالعلم باللَّه ، وبصفاته ، وأسمائه ، وهو مع ذلك يهمل العمل ، ويضيع أمر الله وحدوده ، فغروره أشد . ومثاله مثال من أراد خدمة ملك ، فعرف الملك ، وعرف أخلاقه ، وأوصافه ، ولونه ، وشكله ، وطوله ، وعرضه ، وعادته ومجلسه ، ولم يتعرف ما يحبه ويكرهه ، وما يغضب عليه وما يرضى به ، أو عرف ذلك إلا أنه قصد خدمته وهو ملابس لجميع ما يغضب به وعليه ، وعاطل عن جميع ما يحبه من زي ، وهيئة ، وكلام ، وحركة ، وسكون ، فورد على الملك وهو يريد التقرب منه ، والاختصاص به ، متلطخا بجميع ما يكرهه الملك ، عاطلا عن جميع ما يحبه ، متوسلا إليه بمعرفته له ولنسبه ، واسمه ، وبلده ، وصورته ، وشكله ، وعادته في سياسة غلمانه ، ومعاملة رعيته . فهذا مغرور جدا . إذ لو ترك جميع ما عرفه ، واشتغل بمعرفته فقط ، ومعرفة ما يكرهه ويحبه ،
شرح
[ 1 ] حديث من ازداد علما ولم يزدد هدى - الحديث : تقدم في العلم [ 2 ] حديث يلقى العالم في النار فتندلق أقتابه - الحديث : تقدم غير مرة [ 3 ] حديث شر الناس علماء السوء : تقدم في العلم [ 4 ] حديث أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله تعالى بعلمه : تقدم فيه