تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
قلوب الرّجال كما تخلق الثّياب على الأبدان أمرهم كلَّه يكون طمعا لا خوف معه إن أحسن أحدهم قال يتقبّل منّى وإن أساء قال يغفر لي « فأخبر أنهم يضعون الطمع موضع الخوف لجهلهم بتخويفات القرءان وما فيه . وبمثله أخبر عن النصارى إذ قال تعالى * ( فَخَلَفَ من بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الأَدْنى ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا ) * « 1 » ومعناه أنهم ورثوا الكتاب أي هم علماء ، ويأخذون عرض هذا الأدنى أي شهواتهم من الدنيا ، حراما كان أو حلالا . وقد قال تعالى * ( ولِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّه ِ جَنَّتانِ ) * « 2 » * ( ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وخافَ وَعِيدِ ) * « 3 » والقرءان من أوله إلى آخره تحذير وتخويف لا يتفكر فيه متفكر إلا ويطول حزنه ، ويعظم خوفه إن كان مؤمنا بما فيه . وترى الناس يهذونه هذّا يخرجون الحروف من مخارجها ، ويتناظرون على خفضها ، ورفعها ، ونصبها وكأنهم يقرؤن شعرا من أشعار العرب ، لا يهمهم الالتفات إلى معانيه ، والعمل بما فيه وهل في العالم غرور يزيد على هذا . فهذه أمثلة الغرور باللَّه ، وبيان الفرق بين الرجاء والغرور ويقرب منه غرور طوائف لهم طاعات ومعاص ، إلا أن معاصيهم أكثر ، وهم يتوقعون المغفرة ، ويظنون أنهم تترجح كفة حسناتهم ، مع أن ما في كفة السيئات أكثر وهذا غاية الجهل . فترى الواحد يتصدق بدراهم معدودة من الحلال والحرام ، ويكون ما يتناول من أموال المسلمين والشبهات أضعافه . ولعل ما تصدق به من أموال المسلمين ، وهو يتكل عليه ويظن أن أكل ألف درهم حرام ، يقاومه التصدق بعشرة من الحرام أو الحلال وما هو إلا كمن وضع عشرة دراهم في كفة ميزان ، وفي الكفة الأخرى ألفا ، وأراد أن يرفع الكفة الثقيلة بالكفة الخفيفة . وذلك غاية جهله . نعم : ومنهم من يظن أن طاعاته أكثر من معاصيه ، لأنه لا يحاسب نفسه ولا يتفقد معاصيه ، وإذا عمل طاعة حفظها واعتد بها ، كالذي يستغفر الله بلسانه ، أو يسبح الله في اليوم مائة مرة ، ثم يغتاب المسلمين ، ويمزق أعراضهم ويتكلم بما لا يرضاه الله طول النهار من غير حصر وعدد . ويكون نظره إلى عدد سبحته أنه استغفر الله مائة مرة ، وغفل عن هذيانه طول نهاره ، الذي لو كثبه لكان مثل تسبيحه
هامش
« 1 » الأعراف : 69 « 2 » الرحمن : 46 « 3 » إبراهيم : 14
إحياء علوم الدين — صفحة 93 | الغزالي