تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
بالمعاملة ، كمعرفة الحلال والحرام ، ومعرفة أخلاق النفس المذمومة والمحمودة ، وكيفية علاجها والفرار منها ، فهي علوم لا تراد إلا للعمل ، ولولا الحاجة إلى العمل لم يكن لهذه العلوم قيمة . وكل علم يراد للعمل فلا قيمة له دون العمل : فمثال هذا كمريض به علة لا يزيلها إلا دواء مركب من أخلاط كثيرة ، لا يعرفها إلا حذاق الأطباء ، فيسعى في طلب الطبيب ، بعد أن هاجر عن وطنه ، حتى عثر على طبيب حاذق ، فعلمه الدواء ، وفصل له الأخلاط وأنواعها ، ومقاديرها ، ومعادنها التي منها تجتلب ، وعلمه كيفية دق كل واحد منها وكيف خلطه ، وعجنه ، فتعلم ذلك ، وكتب منه نسخة حسنة بخط حسن ، ورجع إلى بيته وهو يكررها ويعلمها المرضى ، ولم يشتغل بشربها واستعمالها . أفترى أن ذلك يغنى عنه من مرضه شيئا ؟ هيهات ! هيهات ! لو كتب منه ألف نسخة ، وعلمه ألف مريض حتى شفى جميعهم وكرره كل ليلة ألف مرة ، لم يغنه ذلك من مرضه شيئا ، إلا أن يزن الذهب ، ويشترى الدواء ، ويخلطه كما تعلم ، ويشربه ، ويصبر على مرارته ، ويكون شربه في وقته ، وبعد تقديم الاحتماء وجميع شروطه . وإذا فعل جميع ذلك ، فهو على خطر من شفائه ، فكيف إذا لم يشربه أصلا ؟ فمهما ظنّ أن ذلك يكفيه ويشفيه ، فقد ظهر غروره وهكذا الفقيه الذي أحكم علم الطاعات ولم يعملها ، وأحكم علم المعاصي ولم يجتنبها ، وأحكم علم الأخلاق المذمومة وما زكى نفسه منها ، وأحكم علم الأخلاق المحمودة ولم يتصف بها ، فهو مغرور . إذ قال تعالى * ( قَدْ أَفْلَحَ من زَكَّاها ) * « 1 » ولم يقل قد أفلح من تعلم كيفية تزكيتها وكتب علم ذلك وعلمه الناس وعند هذا يقول له الشيطان : لا يغرنك هذا المثال ، فإن العلم بالدواء لا يزيل المرض . وإنما مطلبك القرب من الله وثوابه ، والعلم يجلب الثواب . ويتلو عليه الأخبار الواردة في فضل العلم . فإن كان المسكين معتوها مغرورا ، وافق ذلك مراده وهواه ، فاطمأن إليه وأهمل العمل . وإن كان كيسا ، فيقول للشيطان : أتذكرني فضائل العلم ، وتنسيني ما ورد في العالم الفاجر الذي لا يعمل بعلمه ؟ كقوله تعالى * ( فَمَثَلُه ُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ ) * « 2 » وكقوله تعالى * ( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً ) * « 3 » فأي خزى
هامش
« 1 » الشمس : 9 « 2 » الأعراف : 177 « 3 » الجمعة : 5