والسلام [ 1 ] « الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النّار الحطب » وإلى قوله عليه الصلاة والسلام [ 2 ] « حبّ الشّرف والمال ينبتان النّفاق كما ينبت الماء البقل » إلى غير ذلك من الأخبار التي أوردناها في جميع ربع المهلكات في الأخلاق المذمومة . فهؤلاء زينوا ظواهرهم ، وأهملوا بواطنهم ، ونسوا قوله صلَّى الله عليه وسلم [ 3 ] « إنّ الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنّما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم » فتعهدوا الأعمال وما تعهدوا القلوب . والقلب هو الأصل ، إذ لا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم .
ومثال هؤلاء كبئر الحش ، ظاهرها جص ، وباطنها نتن : أو كقبور الموتى ، ظاهرها مزين ، وباطنها جيفة . أو كبيت مظلم باطنه وضع سراج على سطحه ، فاستنار ظاهره ، وباطنه مظلم . أو كرجل قصد الملك ضيافته إلى داره ، فجصص باب داره ، وترك المزابل في صدر داره . ولا يخفى أن ذلك غرور . بل أقرب مثال إليه رجل زرع ذرعا فنبت ، ونبت معه حشيش يفسده . فأمر بتنقية الزرع عن الحشيش بقلعه من أصله . فأخذ يجز رؤسه وأطرافه ، فلا تزال تقوى أصوله فتنبت ، لأن مغارس المعاصي هي الأخلاق الذميمة في القلب فمن لا يطهر القلب منها لا تتم له الطاعات الظاهرة إلا مع الآفات الكثيرة . بل هو كمريض ظهر به الجرب ، وقد أمر بالطلاء وشرب الدواء ، فالطلاء ليزيل ما على ظاهره والدواء ليقطع مادته من باطنه ، فقنع بالطلاء وترك الدواء ، وبقي يتناول ما يزيد في المادة ، فلا يزال يطلى الظاهر والجرب دائم به ، يتفجر من المادة التي في الباطن
وفرقة أخرى علموا أن هذه الأخلاق الباطنة مذمومة من جهة الشرع ، إلا أنهم لعجبهم بأنفسهم يظنون أنهم منفكون عنها ، وأنهم أرفع عند الله من أن يبتليهم بذلك ، وإنما يبتلى به العوام دون من بلغ مبلغهم في العلم . فأما هم فأعظم عند الله من أن يبتليهم . ثم إذا ظهر عليهم مخايل الكبر ، والرئاسة ، وطلب العلو ، والشرف ، قالوا ما هذا كبر ، وإنما هو طلب عز الدين ، وإظهار شرف العلم ، ونصرة دين الله ، وإرغام أنف المخالفين من المبتدعين .
شرح
[ 1 ] حديث الحسد يأكل الحسنات - الحديث : تقدم في العلم وغيره
[ 2 ] حديث حب المال والشرف ينبتان النفاق في القلب - الحديث : تقدم
[ 3 ] حديث إن الله لا ينظر إلى صوركم - الحديث : تقدم