تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
وإني لو لبست الدون من الثياب ، وجلست في الدون من المجالس ، لشمت بي أعداء الدين ، وفرحوا بذلك ، وكان ذلي ذلا على الإسلام . ونسي المغرور أن عدوّه الذي حذّره منه مولاه هو الشيطان ، وأنه يفرح بما يفعله ويسخر به ، وينسى أن النبي صلَّى الله عليه وسلم بما ذا نصر الدين ، وبما ذا أرغم الكافرين . ونسي ما روى عن الصحابة من التواضع ، والتبذل ، والقناعة بالفقر والمسكنة ، حتى عوتب عمر رضي الله عنه في بذاذة زيه عند قدومه إلى الشام فقال : إنا قوم أعزنا الله بالإسلام ، فلا نطلب العز في غيره . ثم هذا المغرور يطلب عز الدين بالثياب الرقيقة من القصب ، والديبقى ، والإبريسم المحرم ، والخيول ، والمراكب ، ويزعم أنه يطلب به عز العلم وشرف الدين . وكذلك مهما أطلق اللسان بالحسد في أقرانه أو فيمن رد عليه شيئا من كلامه ، لم يظن بنفسه أن ذلك حسد ، ولكن قال إنما هذا غضب للحق ، ورد على المبطل في عدوانه وظلمه ، ولم يظن بنفسه الحسد . حتى يعتقد أنه لو طعن في غيره من أهل العلم ، أو منع غيره من رياسة وزوحم فيها ، هل كان غضبه وعداوته مثل غضبه الآن ، فيكون غضبه لله ، أم لا يغضب مهما طعن في عالم آخر ومنع ، بل ربما يفرح به فيكون غضبه لنفسه ، وحسده لأقرانه ، من خبث باطنه ؟ وهكذا يرائي بأعماله وعلومه ، وإذا خطر له خاطر الرياء قال هيهات ، إنما غرضي من إظهار العلم والعمل اقتداء الخلق بي ليهتدوا إلى دين الله تعالى ، فيتخلصوا من عقاب الله تعالى . ولا يتأمل المغرور أنه ليس يفرح باقتداء الخلق بغيره ، كما يفرح باقتدائهم به . فلو كان غرضه صلاح الخلق لفرح بصلاحهم على يد من كان ، كمن له عبيد مرضى يريد معالجتهم ، فإنه لا يفرق بين أن يحصل شفاؤهم على يده أو على يد طبيب آخر . وربما يذكر هذا له ، فلا يخليه الشيطان أيضا ويقول . إنما ذلك لأنهم إذا اهتدوا بي كان الأجر لي ، والثواب لي . فإنما فرحي بثواب الله ، لا بقبول الخلق قولي . هذا ما يظنه بنفسه ، والله مطلع من ضميره على أنه لو أخبره نبي بأن ثوابه في الخمول وإخفاء العلم ، أكثر من ثوابه في الإظهار ، وحبس مع ذلك في سجن ، وقيد بالسلاسل ، لاحتال في هدم السجن وحل السلاسل ، حتى يرجع إلى موضعه الذي به تظهر رياسته ، من تدريس أو وعظ أو غيره . وكذلك يدخل على السلطان ويتودد إليه ، ويثنى عليه ، ويتواضع له ، وإذا خطر له أن التواضع للسلاطين الظلمة حرام ، قال له الشيطان :
إحياء علوم الدين — صفحة 99 | الغزالي