تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
ويشتغل بالعمل ، فيقول له الشيطان مالك ولإيذاء نفسك وتعذيبها ، ولك رب كريم ، غفور رحيم ، فيفتر بذلك عن التوبة والعبادة ، فهو غرة وعند هذا واجب على العبد أن يستعمل الخوف ، فيخوف نفسه بغضب الله وعظيم عقابه ، ويقول . إنه مع أنه غافر الذنب وقابل التوب ، شديد العقاب . وإنه مع أنه كريم ، خلد الكفار في النار أبد الآباد ، مع أنه لم يضره كفرهم : بل سلط العذاب ، والمحن ، والأمراض ، والعلل . والفقر ، والجوع ، على جملة من عباده في الدنيا ، وهو قادر على إزالتها . فمن هذه سنته في عباده ، وقد خوّفنى عقابه ، فكيف لا أخافه ! وكيف أغتر به . فالخوف والرجاء قائدان وسائقان ، يبعثان الناس على العمل . فما لا يبعث على العمل فهو تمن وغرور . ورجاء كافة الخلق هو سبب فتورهم وسبب إقبالهم على الدنيا ، وسبب إعراضهم عن الله تعالى ، وإهمالهم السعي للآخرة . فذلك غرور . فقد أخبر صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] وذكر أن الغرور سيغلب على قلوب آخر هذه الأمة وقد كان ما وعد به صلَّى الله عليه وسلم . فقد كان الناس في الأعصار الأول يواظبون على العبادات ، ويؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ، يخافون على أنفسهم وهم طول الليل والنهار في طاعة الله ، يبالغون في التقوى والحذر من الشبهات والشهوات ، ويبكون على أنفسهم في الخلوات . وأما الآن ، فترى الخلق آمنين ، مسرورين ، مطمئنين غير خائفين ، مع إكبابهم على المعاصي ، وانهماكهم في الدنيا ، وإعراضهم عن الله تعالى ، زاعمين أنهم واثقون بكرم الله تعالى وفضله ، راجون لعفوه ومغفرته ، كأنهم يزعمون أنهم عرفوا من فضله وكرمه ما لم يعرفه الأنبياء ، والصحابة ، والسلف الصالحون . فإن كان هذا الأمر يدرك بالمنى ، وينال بالهوينى ، فعلام ذا كان بكاء أولئك ، وخوفهم ، وحزنهم ؟ وقد ذكرنا تحقيق هذه الأمور في كتاب الخوف والرجاء . وقد قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] ، فيما رواه معقل ابن يسار « يأتي على النّاس زمان يخلق فيه القرءان في
شرح
[ 1 ] حديث ان الغرور يغلب على آخر هذه الأمة : تقدم في آخر ذم الكبر والعجب وهو حديث أبي ثعلبة في اعجاب كل ذي رأى برأيه [ 2 ] حديث معقل بن يسار يأتي على الناس زمان يخلق فيه القرءان في قلوب الرجال - الحديث : أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن عباس نحوه بسند فيه جهالة ولم أره من حديث معقل