* ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ الله أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ الله ) * « 1 » يعنى أن الرجاء بهم أليق . وهذا لأنه ذكر أن ثواب الآخرة أجر وجزاء على الأعمال . قال الله تعالى * ( جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) * « 2 » وقال تعالى * ( وإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) * « 3 » أفترى أن من استؤجر على إصلاح أوان ، وشرط له أجرة عليها ، وكان الشارط كريما يفي بالوعد مهما وعد ، ولا يخلف بل يزيد ، فجاء الأجير وكسر الأواني ، وأفسد جميعها ، ثم جلس ينتظر الأجر ، ويزعم أن المستأجر كريم أفتراه العقلاء في انتظاره متمنيا مغرورا ، أو راجيا ؟ وهذا للجهل بالفرق بين الرجاء والغرة قيل للحسن : قوم يقولون نرجو الله ويضيعون العمل . فقال هيهات ! هيهات ! تلك أمانيهم يترجحون فيها . من رجا شيئا طلبه ومن خاف شيئا هرب منه . وقال مسلم بن يسار : لقد سجدت البارحة حتى سقطت ثنيتاى . فقال له رجل : إنا لنرجو الله . فقال مسلم : هيهات ! هيهات ! من رجا شيئا طلبه ، ومن خاف شيئا هرب منه . وكما أن الذي يرجو في الدنيا ولدا وهو بعد لم ينكح ، أو نكح ولم يجامع ، أو جامع ولم ينزل ، فهو معتوه . فكذلك من رجا رحمة الله وهو لم يؤمن ، أو آمن ولم يعمل صالحا ، أو عمل ولم يترك المعاصي ، فهو مغرور . فكما أنه إذا نكح ، ووطئ ، وأنزل ، بقي مترددا في الولد ، يخاف ويرجو فضل الله في خلق الولد ودفع الآفات عن الرحم وعن الأم إلى أن يتم فهو كيس ، فكذلك إذا آمن ، وعمل الصالحات ، وترك السيئات ، وبقي مترددا بين الخوف والرجاء ، يخاف أن لا يقبل منه ، وأن لا يدوم عليه وأن يختم له بالسوء ، ويرجو من الله تعالى أن يثبته بالقول الثابت ويحفظ دينه من صواعق سكرات الموت ، حتى يموت على التوحيد ، ويحرص قلبه عن الميل إلى الشهوات بقية عمره حتى لا يميل إلى المعاصي فهو كيس ومن عدا هؤلاء فهم المغرورون باللَّه . وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا . ولتعلمن نبأه بعد حين . وعند ذلك يقولون كما أخبر الله عنهم * ( رَبَّنا أَبْصَرْنا وسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ) * « 4 » أي علمنا أنه كما لا يولد إلا بوقاع ونكاح ، ولا ينبت زرع إلا بحراثة وبث بذر فكذلك لا يحصل في الآخرة ثواب وأجر إلا بعمل صالح ، فارجعنا نعمل صالحا ، فقد علمنا الآن صدقك في قولك ، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ، وأن سعيه سوف يرى
هامش
« 1 » البقرة : 218
« 2 » الواقعة : 24
« 3 » آل عمران : 185
« 4 » الملك : 8