تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
* ( كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ، قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ ) * « 1 » أي ألم نسمعكم سنة الله في عباده ، وأنه توفى كل نفس ما كسبت ، وأن كل نفس بما كسبت رهينة ، فما الذي غركم باللَّه بعد أن سمعتم وعقلتم ؟ * ( قالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا في أَصْحابِ السَّعِيرِ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحابِ السَّعِيرِ ) * « 2 » فإن قلت : فأين مظنة الرجاء وموضعه المحمود ؟ فاعلم أنه محمود في موضعين : أحدهما : في حق العاصي المنهمك إذا خطرت له التوبة ، فقال له الشيطان وأنى تقبل توبتك ؟ فيقنطه من رحمة الله تعالى ، فيجب عند هذا أن يقمع القنوط بالرجاء ، ويتذكر أن الله يغفر الذنوب جميعا ، وأن الله كريم يقبل التوبة عن عباده ، وأن التوبة طاعة تكفر الذنوب . قال الله تعالى * ( قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا من رَحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّه ُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ ) * « 3 » أمرهم بالإنابة . وقال تعالى * ( وإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ) * « 4 » فإذا توقع المغفرة مع التوبة فهو راج ، وإن توقع المغفرة مع الإصرار فهو مغرور . كما أن من ضاق عليه وقت الجمعة وهو في السوق ، فخطر له أن يسعى إلى الجمعة ، فقال له الشيطان إنك لا ندرك الجمعة فأقم على موضعك ، فكذب الشيطان ومن يعدو ، وهو يرجو أن يدرك الجمعة فهو راج . وإن استمر على التجارة ، وأخذ يرجو تأخير الإمام للصلاة لأجله إلى وسط الوقت ، أو لأجل غيره ، أو لسبب من الأسباب التي لا يعرفها ، فهو مغرور الثاني : أن تفتر نفسه عن فضائل الأعمال ، ويقتصر على الفرائض ، فيرجى نفسه نعيم الله تعالى ، وما وعد به الصالحين ، حتى ينبث من الرجاء نشاط العبادة ، فيقبل على الفضائل ، ويتذكر قوله تعالى * ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ) * « 5 » إلى قوله * ( أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) * « 6 » فالرجاء الأوّل : يقمع القنوط المانع من التوبة ، والرجاء الثاني : يقمع الفتور المانع من النشاط والتشمر . فكل توقع حث على توبة أو على تشمر في العبادة فهو رجاء . وكل رجاء أوجب فتورا في العبادة وركونا إلى البطالة فهو غرة . كما إذا خطر له أن يترك الذنب
هامش
« 1 » الملك : 9 « 2 » الملك : 10 ، 11 « 3 » الزمر : 53 ، 54 « 4 » طه : 82 « 5 » المؤمنون « 6 » المؤمنون