أراد أن يستصحب ولده معه في السفينة ، فلم يرد فكان من المغرقين فقال * ( رَبِّ إِنَّ ابْنِي من أَهْلِي ) * « 1 » فقال تعالى * ( يا نُوحُ إِنَّه ُ لَيْسَ من أَهْلِكَ إِنَّه ُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ) * « 2 » وأن إبراهيم عليه السّلام استغفر لأبيه فلم ينفعه . وأن نبينا صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] ، وعلى كل عبد مصطفى استأذن ربه في أن يزور قبر أمه ويستغفر لها ، فأذن له في الزيارة ولم يؤذن له في الاستغفار ، فجلس يبكى على قبر أمه لرقته لها بسبب القرابة ، حتى أبكى من حوله فهذا أيضا اغترار باللَّه تعالى . وهذا لأن الله تعالى يحب المطيع ويبغض العاصي . فكما أنه لا يبغض الأب المطيع ببغضه للولد العاصي ، فكذلك لا يحب الولد العاصي بحبه للأب المطيع ولو كان الحب يسرى من الأب إلى الولد لأوشك أن يسرى البغض أيضا . بل الحق أن لا تزر وازرة وزر أخرى . ومن ظن أنه ينجو بتقوى أبيه ، كمن ظن أنه يشبع بأكل أبيه ، ويروى بشرب أبيه ، ويصير عالما بتعلم أبيه ، ويصل إلى الكعبة ويراها بمشي أبيه فالتقوى فرض عين فلا يجزى فيه والد عن ولده شيئا . وكذا العكس . وعند الله جزاء التقوى يوم يفر المرء من أخيه ، وأمه وأبيه ، إلا على سبيل الشفاعة لمن لم يشتد غضب الله عليه ، فيأذن في الشفاعة له كما سبق في كتاب الكبر والعجب فإن قلت فأين الغلط في قول العصاة والفجار : إن الله كريم ، وإنا نرجو رحمته ومغفرته وقد قال أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيرا ، فما هذا إلا كلام صحيح مقبول الظاهر في القلوب فاعلم أن الشيطان لا يغوى الإنسان إلا بكلام مقبول الظاهر ، مردود الباطن . ولولا حسن ظاهره لما انخدعت به القلوب . ولكن النبي صلَّى الله عليه وسلم كشف عن ذلك فقال [ 2 ] « الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله » وهذا هو التمني على الله تعالى ، غيّر الشيطان اسمه فسماه رجاء ، حتى خدع به الجهال . وقد شرح الله الرجاء فقال
شرح
[ 1 ] حديث انه صلَّى الله عليه وسلم استأذن أن يزور قبر أمه ويستغفر لها فأذن له في الزيارة ولم يؤذن له في الاستغفار - الحديث : مسلم من حديث أبي هريرة
[ 2 ] حديث الكيس من دان نفسه : تقدم قريبا
هامش
« 1 » هود : 45
« 2 » هود : 46