الجهل باللَّه وبصفاته ، فإن من عرفه لا يأمن مكره ، ولا يغتر بأمثال هذه الخيالات الفاسدة وينظر إلى فرعون ، وهامان ، وقارون ، وإلى ملوك الأرض وما جرى لهم ، كيف أحسن الله إليهم ابتداء ، ثم دمرهم تدميرا . فقال تعالى * ( هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ من أَحَدٍ ) * « 1 » الآية وقد حذر الله تعالى من مكره واستدراجه فقال * ( فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ) * « 2 » وقال تعالى * ( ومَكَرُوا مَكْراً ومَكَرْنا مَكْراً وهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) * « 3 » وقال عز وجل * ( ومَكَرُوا ومَكَرَ الله والله خَيْرُ الْماكِرِينَ ) * « 4 » وقال تعالى * ( إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وأَكِيدُ كَيْداً فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ) * « 5 » فكما لا يجوز للعبد المهمل أن يستدل بإهمال السيد إياه ، وتمكينه من النعم ، على حب السيد ، بل ينبغي أن يحذر أن يكون ذلك مكرا منه وكيدا ، مع أن السيد لم يحذره مكر نفسه ، فبأن يحب ذلك في حق الله تعالى مع تحذيره استدراجه أولى فإذا من أمن مكر الله فهو مغتر . ومنشأ هذا الغرور أنه استدل بنعم الدنيا على أنه كريم عند ذلك المنعم ، واحتمل أن يكون ذلك دليل الهوان ، ولكن ذلك الاحتمال لا يوافق الهوى ، فالشيطان بواسطة الهوى يميل بالقلب إلى ما يوافقه ، وهو التصديق بدلالته على الكرامة ، وهذا هو حد الغرور .
المثال الثاني : غرور العصاة من المؤمنين ، بقولهم إن الله كريم ، وإنا نرجو عفوه ، واتكالهم على ذلك ، وإهمالهم الأعمال ، وتحسين ذلك بتسمية تمنيهم واغترارهم رجاء ، وظنهم أن الرجاء مقام محمود في الدين ، وأن نعمة الله واسعة ، ورحمته شاملة ، وكرمه عميم .
وأين معاصي العباد في بحار رحمته ، وإنا موحدون ومؤمنون ، فنرجوه بوسيلة الإيمان .
وربما كان مستند رجائهم التمسك بصلاح الآباء وعلو رتبتهم ، كاغترار العلوية بنسبهم ، ومخالفة سيرة آبائهم في الخوف ، والتقوى ، والورع ، وظنهم أنهم أكرم على الله من آبائهم ، إذ آباؤهم مع غاية الورع والتقوى كانوا خائفين ، وهم مع غاية الفسق والفجور آمنون . وذلك نهاية الاغترار باللَّه تعالى . فقياس الشيطان للعلوية أن من أحب إنسانا أحب أولاده وأن الله قد أحب آباءكم فيحبكم ، فلا تحتاجون إلى الطاعة . وينسى المغرور أن نوحا عليه السّلام
هامش
« 1 » مريم : 98
« 2 » الأعراف : 99
« 3 » النحل : 55
« 4 » آل عمران : 54
« 5 » الطارق : 15